نشر بتاريخ: 2026/04/20 ( آخر تحديث: 2026/04/20 الساعة: 22:18 )

المنطقة ستنفجر حَرباً.. المعالم الجغرافية يرسمها الميدان

نشر بتاريخ: 2026/04/20 (آخر تحديث: 2026/04/20 الساعة: 22:18)

الكوفية منذ أن بدأت هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بدأت تظهر الأمور على حقيقتها، الإسرائيلي أولاً وبموافقة حكومة ورئيس لبنان رفضوا مفهوم التلازم بين لبنان وإيران، ونتيجته كانت رفض إسرائيلي الالتزام الفوري بالهدنة حتى ظهور محاولة كيفية تخريج الهدنة تحت مسمى المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وحكومة لبنان، ومع ذلك تبين أن من فرض على إسرائيل الهدنة هو إيران عبر فرض الرئيس ترامب على حليفه نتنياهو الالتزام ببيان الوسيط الباكستاني.

الثاني كان جولة المفاوضات الأولى في إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة حيث تبين أن لدى الأمريكي ورقة استسلام يريد من الإيراني التوقيع عليها، وأن النقاط العشرة التي طرحتها إيران ووافقت عليها إدارة البيت الأبيض كأساس للمفاوضات لم تكن سوى سُلّم لنزول ترامب عن تنفيذ تهديداته ولمنع تفاقم الأوضاع الاقتصادية العالمية أكثر مما هي عليه، ولأخذ مهلة من الزمن لإعادة التجهيز العسكري إن كان من حيث إعادة التموضع الدفاعي أو لهدف تجهيز خطط الهجوم لوجستياً وتدريباً، ومنها الهجوم البري على بعض الجزر الإيرانية ومن ضمنها جزيرة خارك النفطية، أو التجهيز للسيطرة على مضيق هرمز لمنع استخدامه كوسيلة ضغط تمنع الأمريكي من تحقيق أهدافه.

ثالثاً استخدام الهدن لتثبيت واقع جغرافي سياسي وأمني، كما تفعل إسرائيل على أرض الواقع.

وفي محاولة لقراءة ماذا حدث نتيجة التهدئة القائمة والهدن المتفق عليها، نجد التالي:

أولاً ـ أمريكا تعمل على فرض واقع جديد في منطقة الخليج عبر الحصار البحري على الموانئ الإيرانية وعبر الحشد العسكري غير المسبوق منذ العدوان الأمريكي على العراق عام 2003 (ثلاث حاملات طائرات، 500 طائرة حربية بكل أنواعها، عشرات السفن من مدمرات إلى غيرها، خمسين ألف جندي غالبيتهم من النخبة والقوات الخاصة في المارينز، إعادة تموضع للدفاعات الجوية من باتريوت إلى ثاد لتفعيلها بشكل جيد واعتماداً على تجربة الميدان السابقة وبهدف زيادة الحماية لإسرائيل)، وهي بذلك تعمل أيضاً للضغط لأجل فرض اتفاق على إيران بالحدود الدنيا التي تقبلها الولايات المتحدة الأمريكية يستطيع الرئيس ترامب من خلاله إعلان "النصر" الساحق وفرض معادلة جيوسياسية جديدة في المنطقة، وإذا فشل في تحقيق ذلك، فكل شيء يكون جاهزاً للذهاب للحرب والتي ستكون أقسى مما كانت عليه قبل الهدنة الهشة، في محاولة لكسر الصمود الإيراني في مواجهة أقوى قوة في العالم.

ثانياً ـ إسرائيل تعمل بكل طاقتها على فرض جغرافيا أمنية وسياسية، وبما يشمل الجبهات القريبة واللصيقة، وتجهز نفسها جيداً لساعة الصفر والبدء في الهجوم على إيران، لأنها مقتنعة بأن المفاوضات التي يجريها الرئيس ترامب وطبقة "إبستاين" التي تتحكم في مفاصل الدولة الأمريكية من خارجية وبنتاغون وكونغرس ومجلس شيوخ ورئيس وبيت أبيض، ليست سوى مناورات لأهداف عسكرية أكثر من كونها دبلوماسية، حيث تقوم إسرائيل بما يلي:

في لبنان ـ تعمل إسرائيل على خلق واقع جغرافي أمني جديد يسمى خط الدفاع عن المستوطنات الشمالية في البر والبحر ويشمل 55 قرية لبنانية يجري هدمها باستدعاء المقاولين الذين هدموا غزة، هذا الخط المسمى "الخط الأصفر" كما غزة، هو لمنع الصواريخ المضادة للدروع من الوصول للمستوطنات الشمالية ومنع تمركز أي قوة لحزب الله قريبة من الحدود، هم لم يطلقوا عليها حتى الآن لا منطقة عازلة ولا شريط حدودي أمني لاعتبارات تفاوضية، ولكنها في الواقع هي قطع جزء من جغرافيا لبنان لصالح المخططات الإسرائيلية المسماة مناطق عازلة في الجبهات القريبة، لاستخدامها في أي عملية تفاوضية قادمة، أي سيصبح شرط الانسحاب منها يقابله نزع سلاح حزب الله إضافة إلى منطقة أمنية اقتصادية على الحدود بلا سكان، أي تعديل الجغرافيا والديمغرافيا اللبنانية وفق متطلبات أمنية إسرائيلية.

في غزة ـ الضغوطات على حركة حماس من قبل المندوب السامي ملايندوف والوسطاء لأجل تسليم سلاحها وتحت عنوان تطبيق شامل لخطة ترامب، وأن الأمريكي لن يقبل بأقل من ذلك، ولا تزال المساومات مستمرة، والحلول المطروحة حتى بمفهوم التوازي بين المرحلة الأولى والثانية وتطبيق مفهوم التدرج يؤدي إلى نزع السلاح في النهاية، دون معرفة موقف الإسرائيلي مما يطرحه الوسطاء حتى الآن، في حين أن إسرائيل التي تحتل أكثر من نصف القطاع لم تقل كلمتها بعد، والوزير سموتريتش يدعو لاحتلال القطاع لتحويل الجغرافيا الأمنية إلى جغرافيا سياسية "عودة للاستيطان في غزة"، أي أن جبهة غزة على موعد جديد من التصعيد القادم لا محالة إذا لم توافق حماس على نزع سلاحها وفق الرؤية الأمريكية - الإسرائيلية، أي إعلان الاستسلام رسمياً، لأنه بعد نزع السلاح سنرى شروطاً جديدة أهمها المطالبة باعتقال كل من كان له ضلع في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، خاصة أن الضامن الأمريكي لا فرق بينه وبين الإسرائيلي، ومن يحاول التفريق هم الذين استسلموا وأصبحوا في حلف التابعين.

في الضفة ـ حيث هناك المعركة المصيرية التي يحدث فيها التغيير الذي لا يمكن إعادته إلى ما كان عليه سابقاً، وتحت يافطة فرض الأمر الواقع، يتم العمل بمفهوم الجغرافيا السياسية من حيث الاستيطان بكل أشكاله وأنواعه ومشاربه السكنية والزراعية والصناعية والرعوية وما يسمى المناطق الخضراء والأمنية والعسكرية، وما يرافقها من بنية تحتية كبيرة من شوارع وأنفاق وتمديدات للماء والكهرباء والإنترنت وغيرها، جغرافيا سياسية تُبتلع إلى غير رجعة وبدعم رسمي حكومي إسرائيلي وتعاطٍ أمريكي رغم بعض الغضب ونفاق أوروبي لا مثيل له، وسيتحمل مسؤولية كبرى عما يحدث من سيطرة وضم وتطهير عرقي في الضفة. إن ما يحدث يؤكد أن مشروع الضم بدأ يصل إلى نهايته بتواطؤ من المجتمع الدولي وقصور وعجز إقليمي وفلسطيني غير مسبوق، أما القدس الشرقية فكما يبدو تم حسم أمرها وأُخرجت عن طاولة المفاوضات، وما حدث للأماكن المقدسة خلال الأربعين يوماً من العدوان على إيران مثال واضح.

أما في سوريا، فقد فرضت إسرائيل ما تريده كأمر واقع دون أي إزعاج، وسنة كاملة من المفاوضات بين النظام القائم في سوريا وبين إسرائيل لم تنتج شيئاً، ولم يستطع نظام الرئيس المؤقت أحمد الشرع إقناع الإسرائيلي بحسن نواياه وما يقوم به من منع تهريب السلاح إلى لبنان عبر سوريا، بل إن إعلانه بأنه جزء من معادلة مواجهة إيران وحلفائها لم يقنع إسرائيل بالعودة حتى لمعاهدة فض الاشتباك عام 1974، ما يؤكد أن الهدف هو السيطرة على الأرض العربية ومقدراتها وفرض الوصاية عليها، وهو ما يسميه نتنياهو "التغيير الجيوسياسي".

إذاً، وبقراءة للواقع الميداني يمكن القول إن الهدن جاءت لأهداف عسكرية وأمنية بحتة، بحيث يتم:

أولاً ـ فرض أمر واقع كما في سوريا ولبنان وغزة.

ثانياً ـ استراحة تقييمية وضغط على إيران لتحقيق الأهداف تحت التهديد العسكري.

ثالثاً ـ حشد وتجهيز عسكري تحضيراً لبدء معركة فاصلة تستطيع من خلالها الولايات المتحدة وإسرائيل فرض إملاءاتهما على إيران.

رابعاً ـ التقاط الأنفاس لأسباب داخلية أمريكية ونتيجة للضغط الإقليمي والدولي بسبب تدهور الاقتصاد، ومحاولة الإدارة الأمريكية إظهار أنها سعت لما يريده العالم لكن إيران رفضت الشروط.

على كل، وحيث إن المنطق لم يعد يحكم أي شيء منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، والتحول إلى قانون القوة بدل القانون الدولي والإنساني، فإن القادم قد يكون أسوأ مما مضى. فالتفكير المنطقي لا يكفي لفهم سلوك الأطراف، في ظل تغليب منطق القوة وفرض الشروط.

ترامب لوّح بأن الهدنة تنتهي فجر يوم الخميس بتوقيت واشنطن، في رسالة تحمل خيارين واضحين: التصعيد أو التوصل إلى اتفاق.

في المقابل، وافق محور المقاومة وعلى رأسه إيران على الهدن المطروحة، مع إدراكه أنها قد تكون مرحلة مؤقتة قبل مواجهة أوسع، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، ما يجعل المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، قد تعيد رسم ملامحها وفق تطورات الميدان.