نشر بتاريخ: 2026/03/13 ( آخر تحديث: 2026/03/13 الساعة: 13:26 )
رجب أبو سرية

اللاعبون وراء كواليس الحرب

نشر بتاريخ: 2026/03/13 (آخر تحديث: 2026/03/13 الساعة: 13:26)

من الواضح أن المتابعة الإعلامية لتفاصيل الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، تهتم بشكل رئيس بمربع المواجهة العسكرية، المتمثل بكل من أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من الجهة المقابلة، وفي ظل انشغالها اليومي بما يقوم به سلاح جو العدوان، وما يقابله من إطلاق صواريخ ومسيرات، تغفل عن مواقف العديد من الدول ذات التأثير، ليس فقط على ترتيبات السياسة التي لا بد أن ترسم صورة المشهد بعد أن تحط الحرب رحالها، ولكن على مسار الحرب بشكل ما، ويبدو أن حالة الترقب والصمت التي تسود الوسط السياسي، إن كان في الشرق الأوسط، أو حتى في العالم، يعود لعدة أسباب منها أن الحرب بالكاد تقترب من إقفال أسبوعها الثاني، لذلك الجميع يترقب مسارها وفي أي اتجاه ستذهب، لكنّ هناك دولاً تتأثر بالحرب سواء في مرحلة اندلاعها، بما تحدثه من دمار وتأثير اقتصادي مباشر عليها، أو في نتيجتها، بينما هناك دول تتأثر بها بشكل غير مباشر خاصة على اقتصادها، ثم بنتيجتها.

ولا شك بأن تأثيرات الحرب، قبل الوصول إلى نتائجها، تطال العديد من دول الشرق الأوسط، خاصة الدول ذات العلاقة الجيوسياسية، التي تجاور الطرفين، والتي تقع جغرافيا بينهما، وتحيل الحرب، وهي ما زالت تقع في الجو، فضاءها إلى ساحة حرب، وبالتأكيد أن انتقال الحرب من الجو إلى الأرض سيجعل من الدول التي تقع بين المتحاربين، أي كل من الأردن، العراق، وسورية، ساحة حرب حقيقية، قد تحدث دماراً في هذه الدول إن لم يكن أكثر فليس أقل مما يقع على المتحاربين، كذلك هناك دول الخليج الست المشاركة في الحرب من جهة والمستهدفة بالرد الإيراني من الجهة المقابلة، لأجل هذا، فإن كل هذه الدول العربية، أي نحو عشر دول، على الأقل مع تركيا، هي لاعب يقبع وراء كواليس الحرب، ولعل خير دليل على ما نقول، هو أن هذه الدول سعت جديا، إلى منع الحرب قبل وقوعها، من خلال التوسط بإجراء التفاوض الأميركي/الإيراني، ثم تقدمت بالشكوى إلى مجلس الأمن أول من أمس.

وهناك لاعبون لا يقلون أهمية عن دول الشرق الأوسط في التأثر بالحرب والتأثير عليها، وهم الدول التي تدرك تماما تأثيراتها، على الاقتصاد العالمي، وبالتالي على حالة النظام العالمي الحالي، أو الذي يتشكل كبديل عنه، فالحرب تشنها أميركا وإسرائيل بأهداف معلنة، أو خفية، بعيدة المدى، لها علاقة بإعادة ترتيب الشرق الأوسط، بما يؤدي لقيام «دولة إسرائيل الكبرى» بحدود أوسع من حدودها المعترف بها دوليا، والتي اقترنت بعضويتها في الأمم المتحدة، وتشمل هذه الحدود الأوسع، كل أرض دولة فلسطين، ولبنان، الأردن، وسورية والعراق، أو على الأقل أجزاء واسعة منها، إضافة لأجزاء من مصر والسعودية، وبنفوذ بل سيطرة وهيمنة إقليمية تجعل من إسرائيل زعيما وحيدا للشرق الأوسط، بما يساعد على تثبيت النظام العالمي الأميركي، أو بما يجعل من إسرائيل أحد أركان النظام العالمي متعدد الأقطاب.

ولقد أعلنت إسرائيل هذا بوضوح، دائما وطول سنوات الحرب التي تشنها منذ عامين ونصف، وكان آخر مشهد أكد على هذا الهدف، هو إعلان نتنياهو عن تشكيل محور إقليمي يضم إسرائيل والهند واليونان، أما أميركا، فهي تسعى من خلال السيطرة على إيران إلى إكمال سيطرتها على نفط وغاز الشرق الأوسط، بما يعزز من قدرتها على مواجهة النمو الاقتصادي الصيني، وتأخير لحظة انهيار نظامها العالمي.

هذا يجعل من دول مثل الصين وروسيا، لاعبين وراء كواليس الحرب، من مصلحتهما أن تصمد إيران، بما يستنزف القدرة العسكرية الأميركية، وبما يزيد من الأعباء على اقتصادها في نفس الوقت، ولأن مصير هذا الصراع بشقيه المباشر، المتمثل بطرفي الحرب، وغير المباشر، القابع وراء كواليس الحرب، يتحدد بنتيجة الحرب، فإن المنطق يقول، إنه ليس من السهل أن تنتهي الحرب سريعا أو قريبا، بنتيجة المنتصر والمهزوم، هذا مع العلم أن ميزان القوة العسكرية مائل كثيرا للجانب الأميركي/الاسرائيلي، فأميركا هي أقوى دولة في العالم عسكريا، وإسرائيل أقوى دولة إقليمية عسكريا، وهما معا في حرب مع إيران، يكتبان نتيجة للمعادلة الحسابية، مفادها بأنهما سيسحقان إيران في ساعات، وليس في أيام أو أسابيع، ولعل هذا ما كان يدور في رأس دونالد ترامب، بصورة مشابهة لما حققته قوات «دلتا» التابعة له في فنزويلا، مطلع العام الجاري.

لكن هناك تفاصيل عسكرية وسياسية، تدخل كعوامل إن لم تكن حاسمة فهي مهمة جدا في تحديد نتيجة الحرب، وفعلا ها هي إيران تصمد أسبوعين، ولم يتوقف حالها عند حدود الرد فورا على الضربة الأولى الموجعة التي أخذت معها رأس النظام، المرشد الراحل، وإذا كانت غزة صمدت عامين في مواجهة الجيش الاسرائيلي المدعوم أميركيا لوجستيا واستخباراتيا، وعبر الأقمار الصناعية، فإن إيران التي تنتظر أن يجرؤ العدو على غزوها البري، يمكنها أن تصمد عقدين وليس عامين فقط، المهم أن قوة الطرف الأميركي/الاسرائيلي تتمثل في الاستخبارات والجو، أي في الضربة الأولى، وقد اتضحت تماما حدود هذه القوة، بوصولها لرأس النظام، أما قوة إيران ففي الصواريخ والمسيرات، وتتضح ملامح هذه القوة مع مرور الوقت، أي بالمدى الذي ستظل فيه قادرة على إطلاق الصواريخ وإرسال المسيرات.

إلى هذه اللحظة، لا أحد من دول الكواليس: دول الخليج العربي، الصين وروسيا وأوروبا، يعلن موقفا صريحا، وذلك يعود إلى عدم التأكد من نتيجة الحرب، التي كلما طال أمدها ستجبر هذه الدول، على التحرك من أجل وقف الحرب، وهذا ما أعلن عنه قبل أيام حول قيام دول الخليج مع روسيا وفرنسا بتلك المحاولة، وبالطبع فإن دول الخليج مع أوروبا تعتبر من أكثر الدول المتضررة جراء اندلاع هذه الحرب، الأولى مباشرة مع استهداف القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها، والثانية مع ارتفاع أسعار الطاقة، وقد اتضح إلى أي جانب تقف هذه الدول، عند مناقشة ومن ثم التصويت على قرار مجلس الأمن الذي تقدمت به دول الخليج، حيث كان لافتا أولا عدم التطرق للعدوان الأميركي/الاسرائيلي على إيران، وامتناع الصين وروسيا عن التصويت، الذي يبدو أن دافعه كان إرضاء الخليج، ومنع انزلاق دوله للمشاركة في الحرب.

لكن مع ذلك فإن هناك لاعبين آخرين وراء الكواليس، منهم باكستان التي شهدت مظاهرات لدفع الحكومة لدعم إيران، وباكستان دولة مسلمة ونووية في نفس الوقت، تقع بين الهند عدوها التاريخي المتحالف مع إسرائيل وإيران، وأن تكون باكستان الدولة التي طالما كانت حليفا للغرب في العقود الماضية، لاعبا من وراء الستار منحازا أو متعاطفا مع الجار الإيراني، يعني الكثير، كذلك هناك اللاعبون الداخليون، ففي مقابل تدافع ملايين الإيرانيين أول من أمس في مسيرات تشييع شهداء الضربة الأميركية /الإسرائيلية الأولى يهتفون بالموت لأميركا، بما يؤكد إغلاق الباب تماما على هدف إسقاط النظام وحائلا أمام انتقال الحرب للمرحلة البرية، لأن هذه الملايين ستتحول فورا إلى مقاومة شعبية، مقابل ما بدأت تشهده أميركا وإسرائيل من اعتراضات داخلية، في صفوف النخب السياسية والإعلامية، أما في حال عودة توابيت الجنود الأميركيين إلى بلدهم، ومع مشاهد الدمار في إسرائيل، واندلاع التظاهرات في المدن الأوروبية بعد تصاعد أسعار الطاقة، يمكن القول، إن كل يوم يمر على تكرار المشهد اليومي بتفاصيله، سيتصاعد الضغط في أكثر من اتجاه لوقف الحرب، قبل أن تحقق أهدافها على الجانب الأميركي/ الاسرائيلي.

وإذا كانت أميركا وإسرائيل قد راهنتا على الضربة الأولى في إسقاط النظام الإيراني، وتحقيق أهداف الحرب فورا، فإن إيران تراهن على إطالة أمد الحرب، في انتظار نفاد مخزون عتاد المنظومات المضادة للصواريخ والمسيرات لدى عدوها، إلى جانب ما يحدثه الضغط العالمي الناجم عن إغلاق هرمز، وهي في هذه المراهنة، تعتمد على أمرين، هما مخزونها من الصواريخ والمسيرات، والتي هي أدرى من غيرها به، وهي التي تقوم بتصنيعه محليا، حتى في ظل الحرب، والثاني وجود مصلحة للند القوي لأميركا اقتصاديا وعسكريا في صمودها، وقد صار مشروعا لها بعد أن تلقت الضربة الأولى، ولم تسقط، إن تواصل مقارعة أكبر قوة عسكرية في العالم، مع أقوى جيش إقليمي معاً، بحيث أن وقف الحرب في أي لحظة، يعتبر انتصاراً لها يفتح لها الأبواب الإقليمية والدولية على مصراعيها لتكون لاعبا إقليميا ودوليا أساسيا، وإيران مع تكنولوجيا صنع الصواريخ، تمتلك سلاح جو رادعاً لطائرات الشبح ولمنظومات «ثاد»، ومع يورانيوم مخصب لدرجة 60% بعيداً عن الرقابة الدولية منذ فترة طويلة، يكون بين يديها خيار التحول لدولة نووية في أي لحظة، تراها مناسبة.