نشر بتاريخ: 2026/05/27 ( آخر تحديث: 2026/05/27 الساعة: 23:25 )
الكاتب والروائي كمال صبح

الخبز والكتاب.. جدلية الثقافة والضرورة في زمن الحرب على غزة

نشر بتاريخ: 2026/05/27 (آخر تحديث: 2026/05/27 الساعة: 23:25)

الكوفية في ظل القصف المتواصل والحصار الذي يشتد يوماً بعد يوم، وأشباح المجاعة المرعبة التي تتراءى في الأفق، يبرز سؤال مركزي وجوهري، وقد يبدو نوعاً من الرفاهية الفكرية حين يطرح سؤال جدلي مهم: هل للثقافة والإنتاج الأدبي مكان في زمن الحرب؟ وهل يمكن لرواية او مسرحية أو قصيدة أن تنافس كسرة خبز، أو شربة ماء، أو خيمة تحمي الأطفال من برد العراء؟ إنه سؤال مستفز حين يطرح للنقاش في غزة، وقد يحمل في طياته إشكاليات عميقة حول مفهوم الإنسان الغزي، وحول ما إذا كانت الحروب تستهدف الأجساد فقط، أم أنها تنال من الروح والهوية أيضاً

هناك إشكالية واضحة في تفسير المصطلح بحد ذاته ما بين الرفاهية والضرورة، لأننا حين نضع الرفاهية في مواجهة مع الضرورة في غزة، فإننا نسير بأعين معصوبة نحو فخ الثنائيات الجامدة، لأن الضرورة تعني الماء النظيف والدواء والطعام والمأوى الآمن، أما الكتاب فيبدو ترفاً لا يمكن استحضاره وسط وابل القنابل وضجيج الطائرات الحربية، ولكننا بنظرة أكثر عمقاً نكتشف أن الإنسان لا يحيا فقط بتوفر احتياجاته الأساسية بل بوجود معنى لاستمراره في الحياة، هذا المعنى يتجاوز التعريف المادي المباشر للحياة، لأنه يحتاج أيضاً إلى ما ينظم بحثه عن البقاء و الصمود، لذلك يمكن اعتبار الثقافة موجه للبوصلة وصانعة لوعي البقاء والتحدي، وقد شهدت سنوات الحصار التي سبقت حرب الإبادة إنتاجاً أدبياً و فكرياً غزيراً، وقد شهدت سنوات الحرب أيضاً طفرة نوعية في الأدب الفلسطيني عموماً والغزي خصوصاً، ويظهر ذلك واضحاً في عدد الجوائز الأدبية الدولية التي حصل عليها أدباء وروائيين وفنانين فلسطينيين حول العالم، منها جائزة كتارا للرواية العربية التي حصل عليها علاء حليحل عن فئة الروايات المنشورة في 17 أكتوبر 2024، عن روايته "سبع رسائل إلى أم كلثوم".، والجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) التي فاز بها باسم خندقجي في 28 أبريل 2024، عن روايته "قناع بلون السماء" ، كما حصل كل من محمد بكري (الفنان) و عمر حمش (الروائي) على جائزة فلسطين التقديرية في 26 فبراير 2024، وحصل الشاعر عبد الناصر صالح و طلال أبو شاويش على جائزة فلسطين للآداب في 26 فبراير 2024، وفاز أسامة العيسة بجائزة الشيخ زايد للكتاب (فرع الآداب) عام 2024، عن روايته "سماء القدس السابعة".، أما الجوائز الفنية فقد حصل كل من عبد الهادي شلا و ساهر الكعبي (الخطاط) على جائزة فلسطين للفنون في 26 فبراير 2024، وعالمياً حصل باسل عدرا و حمدان بلال على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025 عن فيلم "لا أرض أخرى".، وحصل مصعب أبو توهة على جائزة بوليتزر عام 2025 عن سلسلة مقالات في "نيويوركر" توثق الحرب، و عاجلان غارم الذي حصل على جائزة جميل عام 2024 عن أعمال فنية مستلهمة من التقاليد الإسلامية.

وفي أكتوبر 2025 فاز الروائي والشاعر ابراهيم نصر الله بأرفع جائزة أدبية أمريكية" جائزة نيوستاد للآداب"، و في مارس 2026 فاز بجائزة "ألفونسو غاتو للشعر" والتي تعتبر أرفع جائزة إيطالية للشعر.

هذا الحراك الثقافي لم يكن لمجرد التسلية بل كان توثيقاً تاريخياً، بحيث يصبح الأدب و الفن أرشيفاً للمذبحة و للبقاء معاً، حين يلتقط ما تفلت عمداً أو سهواً من عناوين الأخبار، وبوصلة معنوية حين تحولت الفضائيات إلى ضجيج و أخبار مكررة يراد منها تعبئة ساعات البث، ليقدم الأدب شرحاً لتعقيد المشهد الإنساني، ولذلك تصبح الثقافة صانعة للوعي الجمعي في زمن الحرب، وحين اعتقد البعض أن الحرب تعيد الناس إلى بدائيتهم بحثاً عن غريزتي البقاء المتمثلة في الأكل والشرب والتزاوج، ترى في غزة أطفالاً يقرأون في الخيام وشباباً يناقشون الروايات في أي مكان يتاح لهم، و تشكيليين يرسمون لوحاتهم على بقايا الجدران على مفترقات الشوارع، وكل ذلك يعود لأسباب نفسية عميقة تفسر حاجة الإنسان إلى تفسير ما يحدث من فوضى، تلك هي أساليب البحث عما يحدث؛ ولماذا يحدث و على أي وجه ستكون نهايته، لذلك تقع على عاتق الأدب مسئولية تكوين الوعي الجمعي بأن ما يحدث ليس كارثة عابرة، بل حلقة من حلقات تاريخ طويل من النضال والمقاومة، ويقدم الأمل على نحو ما كما فعلت قصيدة محمود درويش " على هذه الأرض ما يستحق الحياة" تلك الجملة التي صارت منارة أمل لا تنطفئ.

و لكن لا يمكن إنكار أن هناك لحظات يطغى فيها الجوع والعطش على كل شيء. حين تحولت المجاعة إلى سلاح حرب، بدت فكرة كتابة قصيدة أو قراءة رواية إهانة للمعاناة الحقيقية. هنا تظهر إشكالية "هرم ماسلو" المنقلب، كيف تطلب من أم جائعة أن تفكر في الثقافة وطفلها يبكي من الجوع؟

هذا التحدي حقيقي ومؤلم. لكن التجارب التاريخية – من الحرب العالمية الثانية، حين استمرت مدارس برلين في العمل تحت الأرض، و من حصار لينينغراد إلى الحروب الأهلية في يوغوسلافيا - تظهر أن المجتمعات التي حافظت على أنشطتها الثقافية في أحلك الظروف كانت أكثر قدرة على الصمود وإعادة البناء بعد الحرب. لم يكن الأمر رفاهية، لأن الخوف والجوع يحولان الإنسان إلى وحش، أما الثقافة فتذكره دوماً بأنه إنسان.

و قد أثبت الإحتلال بنفسه أن الثقافة كانت إحدى وسائل المقاومة الأكثر فعالية، فقُصف المكتبات، ودمر المراكز الثقافة، وقتل المثقفون والأدباء بشكل متعمد. ولم يكن ذلك عشوائياً. الاحتلال يدرك أن الثقافة الفلسطينية ذاكرة الأمة مكتوبة، وأداة توحيد للضفة وغزة وللداخل والشتات أكثر من أي خطاب سياسي، بالإضافة إلى كونها بطاقة هوية واضحة، فحين يقرأ العالم رواية فلسطينية، يرى الفلسطيني كإنسان له أحلام وآلام، وليس كرقم في إحصائية ضحايا.

لذلك، حين يكتب كاتب في غزة تحت القصف، فإنه يقوم بعمل مقاومة بالمعنى العميق للكلمة، لذلك فإنني أرى أن المقارنة بين الثقافة ولقمة العيش؛ هي مقارنة زائفة في غزة، لأن ما يجب أن يناقش هو: كيف نضمن أن الإنسان الغزاوي ألا يموت جوعاً ولا يموت جهلاً؟ كيف نقدم الخبز والكتاب معاً؟ والحل ليس في اختيار أحدهما على الآخر، بل في إدراك أن العدالة تقتضي توفير الأساسيات أولاً، لأنه من غير الإنساني أن تطالب أحداً بالإبداع وهو يبحث عن رغيف.

ما تحتاجه غزة ليس مقارنة بين لثمة العيش والثقافة، بل وقف الإبادة أولاً، ثم اعادة بناء الإنسان بالتزامن من اعادة الإعمار، من خلال اعادة بناء كل المراكز الثقافية والمكتبات والمؤسسات الثقافية ودور النشر والمطابع، لأن الفلسطيني في غزة لن يكون نصف إنسان ببحثه عن المأوى والشراب والطعام فقط، بل هو بحاجة أيضا لأن يدرك ما يدور حوله ومعاني اللحظة التي يعيشها وسياقها التاريخي ومستقبلها من خلال قراءة كل المؤشرات، ولن يتحقق ذلك دون وعي تحققه ثقافة واضحة.