نشر بتاريخ: 2026/03/10 ( آخر تحديث: 2026/03/10 الساعة: 14:31 )
مهند عبد الحميد

حان الوقت لتجاوز الاستقطاب ضـمـن ثـنـائـيـة عـقـيـمـة

نشر بتاريخ: 2026/03/10 (آخر تحديث: 2026/03/10 الساعة: 14:31)

لا يمكن تقييم حرب إيران راهناً ومستقبلاً بمعزل عن حرب قطاع غزة ونتائجها القائمة والمحتملة، تلك الحرب التي نقلت التكتيك الإسرائيلي من سياسة الاحتواء والتسوية والتطبيع إلى تكتيك الحسم باستخدام أقصى قوة تمهد لهندسة الواقع بما يخدم إعادة بناء هيمنة إسرائيلية مدعومة بالثقل الأميركي على شعوب المنطقة، أو ما تسمى إعادة تصميم الشرق الأوسط وربما فتح المجال أمام توسع دولة إسرائيل تطبيقاً لنصوص توراتية.

يقول درس حرب غزة إن إسرائيل اتبعت سياسة إفراغ قطاع غزة من مواطنيه وفصله عن الضفة الغربية، وإفراغ حل الدولتين من أي مضمون يقود إلى إنهاء الاحتلال العسكري، ومن أي مقومات تجعل إقامة الدولة الفلسطينية ممكنة، حيث تضاعفت الجهود الإسرائيلية على تشريع ضم الضفة الغربية بالقوانين والتشريعات، وبالتطهير العرقي ونهب الأرض واستيطانها على حد سواء، وبرفض مشاركة السلطة عملياً في خطة ترامب، في الوقت الذي استهدفت فيه مؤسساتها في الضفة الغربية وبخاصة مؤسستي التعليم والصحة ما أدى إلى إضعاف وتشويش دورهما توطئة لتقويض المجتمع الفلسطيني وأبسط حقوقه الإنسانية والوطنية.

وبالمثل يسعى ترامب ورأس حربته الإسرائيلية إلى إسقاط النظام الإيراني أو فرض الاستسلام عليه وإعادة صياغته بالمشاركة في قبول أو رفض تعيين مرشد جديد وقيادة جديدة، والهدف هو السيطرة على موارد إيران النفطية والتحكم في طرق التجارة وإغلاق الباب أمام الصين بوصفها المنافس الاقتصادي الأقوى لأميركا.

ومن قرائن التوحش في هذه الحرب، يتحكم بيت هيغسيث وزير الحرب الأميركي القومي المسياني بجولات الحرب، وهو كما تقول صحيفة الغارديان يتفاخر بالموت والدمار الذي ينزله من السماء على إيران طوال اليوم، بعد أن أصبحت الترسانة الحربية الأميركية الضخمة تحت تصرفه، ولديه تفويض من الرئيس ترامب لإحداث الفوضى أينما شاء ضد من شاء.

وكان هذا الوزير قد وعد بالتخلي عن قواعد الاشتباك «السخيفة»، وهي قواعد مصممة لتقييد الهجمات على المدنيين.

ولا يقل عنه سوءا يسرائيل كاتس وزير «الدفاع» الإسرائيلي الذي قتلت قواته 41 شخصاً وعشرات الجرحى معظمهم من المدنيين في محاولة فاشلة لاستخراج جثة الطيار الإسرائيلي رون أراد الذي قتل في العام 1986 .

من سوء الحظ أن الطرف الثاني في الصراع هو نظام ثيوقراطي – دكتاتورية دينية - لديه أطماع إقليمية يسعى إلى تحقيقها بأساليب غير مشروعة، فقد حققها في العراق بالشراكة مع الغزو الأميركي الذي تواطأ معه في القضاء على نظام البعث، ونجح في تقاسم السيطرة مع أميركا على العراق، وسيطر في سياق تصديه لانتفاضات الشعوب على اليمن وسورية ولبنان وقطاع غزة ووظف تلك الدول والمناطق في خدمة أطماعه.

وساهم نفوذه المتسارع في دفع دول الخليج إلى إبرام اتفاقات والتطبيع مع إسرائيل – وهو غير مبرر ولا مقنع - فضلاً عن تعزيز القواعد الأميركية في هذه الدول لتأمين الحماية من الخطر الإيراني.

وكان النظام الإيراني يخفي أهدافه بخطاب ديماغوجي خلاصي معادٍ لأميركا وإسرائيل، ما ساهم في دغدغة مشاعر التحرر لدى الشعوب العربية.

تحدث النظام عن إزالة إسرائيل من الوجود، وتصفية المصالح الأميركية، في الوقت الذي كان يبرم الاتفاقات حول مكانته الإقليمية اتفاق 5+1 النووي.

وانسجاماً مع قمعه وعدائه لانتفاضات الشعب الإيراني، كان النظام الإيراني ينحاز للأنظمة العربية المستبدة ويدافع عنها في مواجهة انتفاضات شعوبها المطالبة بالخبز والحريات والكرامة، كما حدث في سورية واليمن ولبنان والعراق.

واستخدم القضية الفلسطينية في استقطاب قوى سياسية وراي عام عربي، فهو يطرح إزالة إسرائيل ويرفض الحل الدولي للصراع وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، في الوقت الذي لا تتعدى فيه استراتيجيته استخدام القضية الفلسطينية كورقة لتحسين شروطه الخاصة والمتمثلة في انتزاع حيز إقليمي مستقر.

إن دعمه لحركتي حماس والجهاد الإسلامي مالياً وعسكرياً هدفه إفشال الحل السياسي – الحل المرفوض والمحارب إسرائيلياً - ولردع إسرائيل وإلحاق الضرر بها إذا هاجمت إيران.

ولم يساهم النظام الإيراني في بناء مقومات صمود الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال كدعم البناء والإسكان والتعليم والصحة واستصلاح الأرض.

أكبر دليل على انحياز النظام الإيراني لمصالحه الخاصة هو تشجيعه وقراره بإشراك حزب الله مؤخراً في المعركة دفاعاً عن إيران بصرف النظر عن تهديد لبنان والشعب اللبناني ووضعه تحت رحمة غطرسة القوة الإسرائيلية، فقد كان الرد الإسرائيلي الوحشي بمزيد من احتلال أراضٍ رلبنانية وتهجير مليون لبناني وتدمير أجزاء أساسية من مدن وقرى لبنانية إضافة إلى الخسائر البشرية والمادية التي تفوق طاقة وقدرة لبنان.

طبيعي أن يكون أي مواطن فلسطيني وعربي وفي العالم ضد حرب السطو الإمبريالي الأميركي الإسرائيلي، ومع وقف الحرب بأسرع ما يمكن لأن الخاسر الأساسي هو شعوب المنطقة ومن ضمنها الشعب الإيراني.

وأن يكون في الوقت نفسه ضد أطماع دكتاتورية دينية رجعية تدافع عن الاستبداد والاضطهاد، ولا تقيم وزناً لخسائر الشعوب ولمصالحها.

الحرب بين توحش نظام دولي جديد يشكله أصحاب التريليونات بالحرب وبالصفقات والعقوبات، وبين دكتاتورية رجعية تقامر بكل شيء في سبيل بقائها في الحكم ومد نفوذها على حساب شعوب المنطقة.

إن نظرية إذا لم تكن مع إيران وهي تحارب إسرائيل وأميركا فأنت في خندقهما، كما كانت معادلة إذا لم تكن مع نظام صدام والأسد الأب والابن والقذافي وعلي عبد الله صالح ويحيى السنوار فأنت في الخندق المعادي.

لماذا يتم تجاهل الطرف الثالث الذي يستخدمه قطبا الثنائية كوقود لحربهما.

الطرف الثالث يضم الشعوب، والنخب الحقوقية والأكاديمية والثقافية والإعلامية وكل القوى المناهضة للحرب والاضطهاد بمختلف أشكاله.

لماذا لا يتم فتح مجرى جديد لاستقطاب الأكثرية المطلقة من الشعوب التي تستطيع ترك بصماتها على الحرب ونتائجها؟

ما يؤكد ذلك أن الحراكات المناهضة لهذه الحرب لم تسجل استقطاباً يدافع عن النظام الإيراني الحالي باستثناء مناطق النفوذ الإيراني المحدودة والقوى السياسية المصرة على البقاء داخل صندوق الحرب الباردة، كانت معظم الاحتجاجات ضد العدوان الأميركي الإسرائيلي على الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، ومع وقف الحرب فوراً، ووقف القتل واستهداف المدنيين وتشريدهم وتجويعهم، وقف تدمير المدن والبنية الحيوية للطاقة وعجلة الإنتاج ومحطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه.

وقف سباق التسلح، ووقف رفع الأسعار وكلفة الحياة للسواد الأعظم من الشعوب. وقف حرب جشع ترامب للسيطرة على النفط الإيراني، ووقف حرب نتنياهو لإعادة بناء السيطرة الإسرائيلية على الشرق الأوسط، ووقف حرب بقاء النظام الإيراني ودوره الإقليمي.