حين تتحوّل اللغة إلى خيانة… الخلط في المصطلحات غباءٌ سياسي
بقلم: شريف الهركلي
حين تتحوّل اللغة إلى خيانة… الخلط في المصطلحات غباءٌ سياسي
الكوفية
ليست المعركة مع الاحتلال عسكرية فقط، بل لغوية أيضًا. فالكلمة الخاطئة قد تهدم قضية، والمصطلح المائع قد يشرعن جريمة، والخلط بين المفاهيم ليس سهوًا بريئًا، بل أحد أخطر أشكال الغباء السياسي الذي يدفع ثمنه شعبٌ أعزل.
حين نخلط بين المستعمِر والمستوطن، نكون قد مسحنا ملامح الجريمة. فالمستعمِر هو صاحب المشروع، الدولة التي تحتل الأرض، وتفرض سيادتها بالقوة، وتشرّع القتل، وتدير آلة القمع. أما المستوطن، فهو الأداة البشرية لهذا المشروع، الفرد الذي نُقل ليُقيم فوق أرضٍ مسلوبة، ويُثبّت الوجود الإحلالي تحت حماية السلاح والقانون الاستعماري. الفرق بسيط وواضح، لكن تجاهله متعمّد، لأنه يخفّف وطأة الاتهام عن الفاعل الحقيقي.
هذا الخلط لا يقف عند حدود المصطلحين، بل يمتد ليشمل توصيف الجريمة نفسها. حين يُسمّى الاحتلال “نزاعًا”، والإبادة “دفاعًا عن النفس”، والمقاومة “إرهابًا”، تتحوّل اللغة إلى شاهد زور، وتصبح الضحية متّهمة، والجلاد صاحب حق. هكذا تُسرق القضايا لا بالدبابات وحدها، بل بالجُمل المصاغة بعناية.
الغباء السياسي هنا ليس نقصًا في الذكاء، بل غيابًا للوعي. هو أن ترفع شعارًا عادلًا بلغة خاطئة، وأن تُطالب بالحق بمصطلحات صاغها الخصم لخدمته. هو أن تتحدّث عن السلام وأنت تخجل من تسمية الاستعمار باسمه، وعن العدالة وأنت تساوي بين القاتل والمقتول.
الاحتلال يدرك قوة اللغة، لذلك يستثمر في تشويهها، وتدوير المصطلحات، وتفريغ الكلمات من معناها، بينما يقع بعضنا في الفخ، يردّد الرواية ذاتها، ثم يتساءل لماذا يخسر المعركة السياسية والإعلامية قبل أن تبدأ.
القضية لا تحتاج إسهابًا ولا تنظيرًا، بل دقّة وشجاعة. سمِّ الأشياء بأسمائها: هذا استعمار، وهؤلاء مستعمِرون، والاستيطان جريمة، والمقاومة حق. وأي خلطٍ بعد ذلك، ليس اجتهادًا لغويًا، بل تواطؤ فكري، أو غباء سياسي لا يُغتفر في زمن تُباد فيه الشعوب بالكلمة قبل الرصاصة.