حوار فتحاوي..!
أكرم عطا الله
حوار فتحاوي..!
الكوفية تعرضت الحالة الفلسطينية المشوهة أصلًا بفعل نشوء سلطة تحت الاحتلال إلى مزيد من التشوه عندما دخلت في مجموعة معارك إقصاء على سلطة محدودة الصلاحيات. أما فيما يخص حركة فتح، فقد تعرضت لضربة هي الأعنف حين تم طردها من غزة، لتكون خسارتها مركبة؛ الأولى أنها خسرت الجغرافيا التي تجسد فيها المشروع السياسي للحركة كنتاج لثلاثة عقود من العمل، والثانية أنه شاء قدر الجغرافيا أن تتشكل منها الحركة لتحمل تلك النكهة الغزية واندفاعها كثقافة أُعدت كذخيرة كانت كافية لانطلاقة فصيل بحجم فتح، لدرجة أصبحت جزءًا من هويتها، وحين تراجع حضور غزة في الحركة كأنها كانت تفقد جزءًا من هويتها، وهذا موضوع آخر.
بفضل الخسارات المتتالية للحركة، وخسارة الانتخابات حينها، تلاها خسارة الجغرافيا، كان لا بد أن تنعكس تلك على الجهة التي اعتادت احتكار القوة والسلطة، واللتين تنحسران أكثر، لتُحدثا قدرًا أكبر من التنافس بين مكوناتها، لينتج هذا الصدع الكبير بين قطبي الحركة: الرئيس محمود عباس من ناحية، والقيادي القوي فيها محمد دحلان من ناحية أخرى.
وبفضل هذا الخلاف الذي استمر، كانت الحركة تضعف أكثر وتتآكل قوتها، للدرجة التي خشيت معها الدخول للانتخابات قبل خمس سنوات.
زلزال هائل ضرب الحالة الفلسطينية عندما تحركت طبقاتها التكتونية في السابع من أكتوبر لتُحدث كل هذه الهزات في البنية التحتية لقطاع غزة، وتؤدي إلى تجريفه، وأبعد من ذلك تطال الضفة الغربية، والتي كان لا بد أن تُحدث تغيرًا في البنية الفوقية للعمل السياسي، لكنه تأخر كثيرًا.
ومع بعض التغير في موازين القوى على الأرض، ومع اقتراب النهايات، كان لا بد أن تترجم نفسها هنا إلى محاولة رأب صدع ما أصبح ضرورة، ليس فقط لفتح، بل لأنها بقيت الحامل الوحيد للمشروع الوطني بعد تحطم الحوامل الأخرى، لكنها لن تتمكن من ذلك في ظل الانقسام الحاصل، وتغيرات الموازين خلاله، وحالة الترهل التي تمر بها الحركة، والتي كان المؤتمر الأخير انعكاسًا طبيعيًا لها، وكذلك استمرار الانقسام الداخلي ومفاعيله، وتقليص الحضور الغزي كهوية للحركة.
دائمًا ما أهتم بقراءة واحدة من أبرز مفاتيح السياسة وقياس رشاقتها وذكائها، وهي «التقاط اللحظة»، التي عبّر عنها المفكر الروسي فلاديمير لينين حين قال عن اتخاذ القرار: «بالأمس مبكرًا وغدًا متأخرًا»، أي إذا لم يتم التقاطه في لحظته، وإن تأخر، يجب دفع الثمن.
هنا جاءت حركة فتح للحوار متأخرة، فقط كان يفصل مئة يوم بين ذروة قوتها قبيل عقد المؤتمر، حين كان تيار القيادي محمد دحلان يقف حائرًا أمام محطة إبعاد أخرى، وفتح التي تتحضر بكامل طاقتها، وبين اللحظة الحالية التي تتغير فيها موازين القوى لصالح تيار الإصلاح بفعل التقاطه عددًا من أوراق السياسة، أولها الفعل على الأرض خلال السنوات السابقة، وثانيها ورقة حماس التي باتت لديه سياسيًا وانتخابيًا، حسب ما جاء قبل أيام من تحالف انتخابي، أو لجهة العلاقة مع واشنطن، ففيما يستطيع إقناع الإدارة الأميركية بالجلوس مع حماس، يتم تسريب أن إدارة ترامب ستمنع الرئيس أبو مازن من حضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتلك تحمل ما يكفي من مؤشرات انزياحات القوة.
هذا التأخر جعل التيار في وضع يسمح له بتقديم شروط للمصالحة، والتي تحمل بجزء كبير منها قدرًا من المظلومية للعناصر والكوادر التي تعرضت للطرد والفصل غير القانوني، وأبعدتهم عن هيئات ومؤسسات الحركة، وأوقفت ترقياتهم ورواتبهم، وحدّت من دورهم الوطني.
ومن الطبيعي أن يتم إنصاف هؤلاء حين تتم المصالحة الداخلية، وتلك مفهومة، بل تحظى بالتعاطف، وهي ليست مسألة إنسانية بقدر ما هي مسألة سياسية، فهؤلاء جزء من الهوية الغزية المؤسسة للحركة.
لكن من غير المفهوم أن يطرح التيار، وعلى لسان رئيس وفد الحوار سمير المشهراوي، في حوار داخلي مع الحركة، وأن يشترط إدخال فصائل خارج المنظمة لها، طبعًا هذه ضرورة، ولكن ما علاقتها بحوار داخلي للحركة؟ ولماذا توضع كشرط؟ فالأصل أن هذا حوار فتحاوي لا يتعلق بقضايا أخرى، وما علاقة الفصائل الأخرى به غير الترحيب؟ ومن قال إن تلك الفصائل توافق على برنامج المنظمة؟ وربما أن الأمر يحتاج إلى حوارات معها يتم الانتقال إليها مع فتح الموحدة، وليس شرطًا لوحدة فتح، التي تتطلب بساطة أكثر من ذلك، فلا خلاف سياسي بين الجانبين، ولا فكري، ولا ثقافي، بل خلاف تنظيمي فقط، يتم من خلاله إعادة ترتيب التنظيم بما يتوافق مع عملية دمج ترضي الطرفين.
يقول الدكتور فضل عاشور، الكادر في حركة فتح، إن فتح تأتي إلى هذا الحوار بعد هزيمتين؛ الأولى هزيمة تسببت بها حماس للكل الفلسطيني، وكان نصيب فتح منها كبيرًا كحامل للمشروع الوطني، والأخرى هي المؤتمر الذي عقدته وأكمل عملية إقصاء مزيد من الكوادر الهامة في الحركة.
ومع فقدانها للكثير من الإمكانيات والدور، يبدو أن حاجتها للمصالحة، وعلى أعتاب الانتخابات، ليست ترفًا سياسيًا بقدر ما يتعلق الأمر بتهديد وجودي إذا ما أُجريت الانتخابات. الأمر ليس فتحاويًا فحسب، بل وطنيًا بعد تحطم الأدوات في غزة. فهل ستتم المصالحة بفتح، أم أن الجولة ستكون جزءًا من التقليد الفلسطيني في مشهد المصالحات المزمنة بلا نتائج؟ سمير المشهراوي، القيادي بالتيار، يقول إن الكرة في ملعب الرئيس..!