نشر بتاريخ: 2026/07/04 ( آخر تحديث: 2026/07/04 الساعة: 16:50 )
شريف الهركلي

القلم الذهبي... والقلم المُذهَّب

نشر بتاريخ: 2026/07/04 (آخر تحديث: 2026/07/04 الساعة: 16:50)

الكوفية ليست الأقلام سواء، كما ليست المعادن سواء. فالذهب يبقى ذهبًا، وإن علاه الغبار، أما المعدن الرخيص فقد يخدع الأبصار بطبقةٍ من التذهيب، لكنه لا يستطيع أن يخدع التاريخ. وهكذا هي الكلمة؛ فقيمتها ليست في بريقها، بل في صدقها، وليست في قربها من السلطة، بل في قربها من الحقيقة.

في عالم الصحافة يقف قلمان على طرفي نقيض؛ قلمٌ ذهبي يحمل رسالة، وقلمٌ مُذهَّب يحمل مصلحة. الأول يصنع الوعي، والثاني يصنع الوهم. الأول ينحاز للوطن والإنسان، والثاني ينحاز لمن يدفع أكثر أو يمنح نفوذًا أكبر.

القلم الذهبي لا يكتب ليُرضي مسؤولًا، ولا ليُصفق لحزب، ولا ليحجز لنفسه مكانًا في بلاط السلطة. إنه يؤمن بأن الكلمة أمانة، وأن الصحفي شاهدٌ على عصره، لا شاهد زور عليه. يكتب بضميرٍ حي، ويعتبر الحقيقة حقًا عامًا لا يجوز التفاوض عليه، لأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب.

أما القلم المُذهَّب، فلا يملك من الذهب إلا لمعانه الخارجي. يدور حيث تدور المصالح، ويُفصّل الوقائع على مقاس أصحاب النفوذ، ويجعل من التملق فضيلة، ومن الصمت عن الأخطاء حكمة، ومن تزييف الوعي بطولة. إنه يلمع في الحاضر، لكنه يبهت أمام أول امتحانٍ للتاريخ.

الصحافة الحرة ليست وظيفةً لتجميل الواقع، ولا منصةً لتسويق الحكومات أو الأحزاب أو الأيديولوجيات، بل رسالةٌ أخلاقية، وضميرٌ يقظ، وسلطةٌ رقابية تنحاز للمواطن قبل صاحب القرار. فالمجتمعات لا تنهض بالأقلام التي تُخدر العقول، وإنما بالأقلام التي تُوقظ الضمائر، وتنتصر للعدالة، وتدافع عن الحق العام.

ولعل أكثر المفارقات إيلامًا أن القلم الذهبي كثيرًا ما يدفع ثمن استقلاله؛ قد يعيش بعيدًا عن الامتيازات، وربما يعاني ضيق العيش، لأنه رفض أن يبيع ضميره في أسواق المصالح. أما القلم المُذهَّب، فيحصد المكاسب لأنه أتقن صناعة التصفيق، ورسم الهالات حول المسؤولين، ولو كان ذلك على حساب الحقيقة.

لكن الزمن لا يعترف إلا بالأصالة. فما كُتب إرضاءً للمصلحة يذبل بانتهائها، وما كُتب بمداد الضمير يبقى حيًا في ذاكرة الشعوب. فالتاريخ لا يخلّد المادحين، بل يخلّد أصحاب الكلمة الحرة، لأن الأوطان تُبنى بالنقد الصادق أكثر مما تُبنى بالمديح الزائف.

إن قيمة الصحفي لا تُقاس بعدد المسؤولين الذين يعرفهم، بل بعدد المواطنين الذين يثقون بكلمته. ولا تُقاس بقربه من مراكز القرار، بل بمسافة الاستقلال التي يحافظ عليها بين قلمه والسلطة. فكلما اقترب القلم من الحقيقة، اقترب من الناس، وكلما اقترب من المصالح، ابتعد عن رسالته.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه كل صاحب قلم: هل يريد أن يكون ذهبًا خالصًا، أم مجرد طلاءٍ يزول مع أول احتكاك؟

فالذهب لا يحتاج إلى زينة، والحقيقة لا تحتاج إلى تلميع، والكلمة الشريفة لا تستمد قيمتها من سلطةٍ أو حزب، بل من ضمير صاحبها. وعندما تنطفئ أضواء المناصب، وتسقط أقنعة المصالح، لن يبقى إلا ما كُتب بصدق. وهناك فقط... يُعرف القلم الذهبي من القلم المُذهَّب.