غزة: بين قدَرِ النزيف الدائم.. والحقّ المؤجل في الحياة
غزة: بين قدَرِ النزيف الدائم.. والحقّ المؤجل في الحياة
الكوفية الصورة النمطية المفروضة
لم تعد غزة في مخيلة العالم مجرد بقعة جغرافية، بل تحولت في الشاشات والتقارير والخطابات إلى مرادفٍ ثابت للموت، الدم، النزوح، والصمود الأسطوري. ولكن، خلف هذه المفردات الكبيرة، ثمة تساؤل مرير يطرحه كل بيت في غزة: هل كُتب على هذه المدينة أن تظل خزاناً للوقود المشتعل؟ هل المطلوب منها أن تدفع الثمن دائماً، وفي كل التفاصيل، دون أن يكون لها حق في التعب أو الشكوى؟
العيش تحت وطأة "واجب الصمود"
من السهل على المراقبين في الخارج، وعلى النشطاء عبر منصات التواصل، أن يطالبوا غزة بالصمود المطلق، وأن يرسموا لها دوراً مثالياً في التضحية والفداء. لكن هذا "التأطير" يحوّل المعاناة الإنسانية اليومية إلى مجرد شعارات. الصمود ليس خياراً ترفيهياً؛ إنه كلفة باهظة تُدفع من أرواح الأطفال، ومستقبل الشباب، واستقرار العائلات. لقد أصبحت غزة مطالبة دائماً بلعب دور "البطل" في رواية الآخرين، بينما يغيب عن الأذهان أن البطل إنسان من لحم ودم، يتألم وينهكه الوجع.
غزة كبش فداء:
في الميزان السياسي، يبدو أحياناً أن غزة تحولت إلى "كبش فداء" لخيارات وحسابات سياسية تتجاوز قدرة الغزيين على الاحتمال. بين حسابات الفصائل والقيادات، وبين لغة المصالح الإقليمية والدولية، يتساءل المواطن البسيط: هل ما زال في غزة متسع لتقديم المزيد من الموت؟ كيف يُطلب من مدينة ماتت فيها كل مقومات الحياة الأساسية أن تستمر في العطاء والصمود والنزيف من أجل بقاء شعارات سياسية لم تقدم للمواطن سوى مزيد من الدمار؟
غزة ليست مجرد ساحة حرب، وليست فكرة مجردة لإثبات نظريات الصمود. غزة من حقها أن تعيش. من حق أطفالها أن يحلموا بغدٍ لا تشوبه أصوات الانفجارات، ومن حق عائلاتها أن تمر عليها أيام من الفرح الخالص، والسعادة البسيطة دون خوف من الفقد المستمر. غزة كأي مدينة في هذا العالم، من حقها أن يزورها الأمل، وأن تُفتح أمامها أبواب الحياة، لا أقواس القتل والنزوح.
كفى استنزافاً للإنسانية
إن استمرار النظر إلى غزة كخزان لا ينضب من التضحية هو استنزاف لإنسانيتها. لقد قدمت غزة للقضية الفلسطينية ما لم تقدمه أي مدينة أخرى، وحان الوقت ليفهم العالم والساسة على حد سواء، أن الصمود لا يعني الرضا بالوجع، وأن خلف كل صورة دم، إنسان كان يتمنى فقط.. أن يعيش بسلام