مؤتمر فتح الثامن، ما بين الرغبة في الإصلاح .. ومنطق الإستحواذ و مراكمة الفشل
مؤتمر فتح الثامن، ما بين الرغبة في الإصلاح .. ومنطق الإستحواذ و مراكمة الفشل
الكوفية تعتبر المؤتمرات الحزبية، فرصًا تاريخية ومحطات فاصلة للتحديث والتطوير، وإعادة صياغة وتصويب المسارات والتوجهات السياسية والتنظيمية والوطنية، وعادةً ما تأتِ المؤتمرات المركزية تتويجاً لعملية ديمقراطية طويلة وفرز حقيقي من الأطر القاعدية، وصولًا إلى المؤتمر العام، بحيث يمثل المؤتمر حال انعقاده أعلى هيئة تقريرية داخل الحركة، يتم فيها انتخاب القيادات، وإعادة صياغة البرامج وأساليب العمل، والتي تصاغ من خلال مناقشات معمقة يشارك فيها أعضاء المؤتمر بصفاتهم التمثيلية كمندوبين عن كافة الأقاليم و القطاعات والهيئات، وهو ما لم يحدث في فتح، رغم أن المادة (14) في النظام الداخلي، تنص بوضوح على ضرورة التمثيل الانتخابي للأعضاء حيثما أمكن ذلك، بحيث يعبر أعضاء المؤتمر عن الرؤية الجمعية لعشرات آلاف الأعضاء في الأطر الحركية الدنيا كممثلين عنهم، لتصبح توجهات الحركة وبرنامجها ورؤيتها ومشروعها، تعبيرًا صادقًا عن الإرادة الجمعية للأعضاء، فالمؤتمر فرصة لتقييم الأداء وفحص الأدوات، ومواجهة التحديات، وإجراء مسح شامل وتقييم جذري للبرامج طوال الفترة ما بين المؤتمر السابق والحالي.
لقد مرت فتح تاريخيًا بمحطات عاصفة وتحولات عميقة وظروف استثنائية، أثرت على دمقرطة مؤسساتها وانتظام مؤتمراتها، وتحولت بفعل سنوات طويلة من التكلس وتغييب النخب الفاعلة وعدم ضبط البوصلة الوطنية وتهميش الأنظمة وتعطيل اللوائح الانضباطية وغياب الرؤى، إلى "مهرجانات خطابية"، وموسم للتمحور والتكتل، للاستحواذ على مواقع النفوذ القيادية، وبعد عقودٍ من النضال والتغيرات الدراماتيكية التي عصفت بالمنطقة، وآخرها الحرب على غزة، وقضم أراضي الضفة، وتغول الإحتلال ومشاريعه التوسعية، تجد فتح نفسها أمام استحقاقات داخلية و خارجية، حركية ووطنية، لم يعد بالإمكان تأجيلها أو القفز عنها، فقد خلفت السنوات الماضية واقعًا تنظيميًا يحتاج إلى مراجعات حاسمة، تُعيد الاعتبار للمؤسسة، وتُفعّل الأطر، وتُرسّخ مبدأ الشراكة والديمقراطية المركزية، وتعزز الوسائل الرقابية، وتوقف الهدر التنظيمي والتصدع والتشرذم البنيوي، و تُعالج الاعتلالات بروحٍ مسؤولة تنطلق من الحرص على وحدة الحركة لا من منطق التفرد والإقصاء.
وانطلاقًا من هذا الفهم، تبرز الحاجة الملحة إلى عقد مؤتمرٍ (توحيدي) جامع غير إقصائي، تسبقه مصالحات واسعة تعيد الطيور المهاجرة التي أقصيت، بحيث يُشكّل محطةً مفصلية لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي، وترميم ما تصدّع في بنيته، وصياغة رؤيةٍ تنظيمية تُواكب متطلبات المرحلة، وتجدد الإستراتيجيات وتطور الهياكل، وتستعيد ثقة القاعدة بالحركة وأطرها القيادية، من خلال تقييم شامل لكافة مناحي التنظيم في السنوات الأخيرة عبر استخلاص العبر في كل مجالات العمل سياسيًا وفكريًا وتنظيميًا واجتماعيًا ووطنيًا.
إنّ هذا المؤتمر المنشود ليس غايةً بحد ذاته، بل فرصة لتصعيد قيادة متجددة واعية لدورها ولطبيعة المتغيرات الراهنة، ووسيلة لإعادة الاعتبار لفتح البدايات كحركة تحررٍ وطني، وهو دعوة صادقة لكل أبناء الحركة، بمختلف مواقعهم وتوجهاتهم، للانخراط في عملية إصلاحٍ حقيقية، تُعيد للحركة تماسكها، وتُعزّز قدرتها على مواجهة التحديات بأدوات مبتكرة تجنب شعبنا الإنزلاق إلى مغامرات غير محسوبة ومدمرة كما حدث في غزة، ونحافظ عبرها على ما تبقى من منجزات سياسية، ونقود نضال تراكمي مستمر لفضح رواية الإحتلال، وتمكين وتثبيت شعبنا على أرضه وتعزيز صموده خاصة بعد حرب الإبادة في غزة، وإعادة طرح قضيتنا في المحافل الدولية بوسائل إبداعية، فالصراع مع الإحتلال لا يمكن أن يحسم في جولة واحدة، فهو كفاح تراكمي ممتد متعدد الأشكال يتم كسبه بالنقاط وبتجنيد كل الحلفاء لإنجاز حقوقنا الوطنية.