نشر بتاريخ: 2026/04/17 ( آخر تحديث: 2026/04/17 الساعة: 18:21 )
سامي ابو لاشين

المؤتمر الحركي الثامن

نشر بتاريخ: 2026/04/17 (آخر تحديث: 2026/04/17 الساعة: 18:21)

الكوفية إعلان حركة فتح عن عقد مؤتمرها الحركي الثامن يأتي في لحظة دقيقة، لا تحتمل المجاملة ولا تسمح بتكرار الخطاب التقليدي. فالقضية اليوم لم تعد مرتبطة بعقد مؤتمر بحد ذاته، بل بما إذا كانت الحركة ما تزال قادرة على استعادة ذاتها، أو أنها دخلت فعليًا مرحلة الاكتفاء بإدارة ما تبقى من حضورها التاريخي.

فتح، كما عرفها الفلسطينيون، لم تكن مجرد تنظيم سياسي تقليدي، بل كانت حالة وطنية متحركة، تمتلك روح المبادرة والقدرة على الاشتباك مع الواقع، وتملك في الوقت ذاته شجاعة الاعتراف بالأخطاء. هذه السمات تحديدًا هي ما منحها مكانتها، وجعلها قادرة على قيادة الحالة الوطنية في مراحل مفصلية. غير أن هذه الصورة تبدو اليوم بعيدة إلى حد كبير عن واقع الحركة الحالي.

تعاني فتح في هذه المرحلة من حالة ركود واضحة، سواء على المستوى التنظيمي أو القيادي. فهناك ترهل في البنية، وضعف في الفاعلية، وغياب لرؤية سياسية واضحة يمكن أن تعيد تعريف دور الحركة في ظل التحولات العميقة التي تمر بها القضية الفلسطينية. كما أن الفجوة بينها وبين الشارع اتسعت، بحيث لم تعد الحركة قادرة على التأثير بذات الزخم، ولا على إلهام جمهورها كما كانت تفعل في السابق.

المؤتمر الثامن، في هذا السياق، يفترض أن يكون محطة مراجعة حقيقية، لا مجرد إجراء تنظيمي دوري. لكن نجاحه في ذلك مرهون بمدى الاستعداد لكسر النمط التقليدي الذي حكم المؤتمرات السابقة. فإذا بقيت آليات الاختيار كما هي، واستمرت نفس النخب في إدارة المشهد، فإن مخرجات المؤتمر لن تتجاوز حدود إعادة ترتيب داخلي، دون أن تمس جوهر الأزمة.

التحدي الحقيقي أمام فتح اليوم لا يكمن في تغيير بعض الوجوه، بل في إعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تم تأجيلها طويلًا. وفي مقدمة هذه الأسئلة: ما هو تعريف الحركة لنفسها في هذه المرحلة؟ هل ما زالت حركة تحرر وطني، أم أنها أصبحت حزبًا يدير سلطة؟ أم أنها عالقة بين الحالتين دون حسم واضح؟ إن غياب الإجابة عن هذا السؤال تحديدًا هو ما يفسر حالة الارتباك التي تعيشها الحركة، ويجعل خطابها السياسي يبدو مترددًا وغير قادر على رسم اتجاه واضح.

إلى جانب ذلك، هناك حاجة ملحة لإعادة الاعتبار للكادر القاعدي، الذي جرى تهميشه لصالح بنية بيروقراطية متضخمة، وكذلك لفتح المجال أمام جيل جديد يمتلك القدرة على الفعل، لا أن يتم استدعاؤه كشكل دون مضمون. كما أن أي محاولة جدية للإصلاح لا يمكن أن تتم دون الاعتراف الصريح بالأخطاء التي راكمت هذه الحالة، بعيدًا عن لغة التبرير أو الإنكار.

إن خطورة المرحلة لا تتعلق بفتح وحدها، بل بالحالة الوطنية الفلسطينية ككل. فضعف الحركة أو استمرار تآكلها لا يعني خسارة تنظيم سياسي فحسب، بل يفتح المجال أمام مزيد من الفراغ والفوضى في المشهد العام، وهو ما يدفع ثمنه الجميع.

من هنا، فإن المؤتمر الثامن يمثل فرصة نادرة، ربما تكون الأخيرة، لإعادة تصويب المسار. إما أن تنجح الحركة في استعادة دورها كقوة فاعلة ومؤثرة، قادرة على التكيف مع الواقع دون أن تفقد هويتها، أو أن تستمر في حالة التراجع التدريجي، مكتفية بالاعتماد على رصيدها التاريخي.

في النهاية، لا تموت الحركات الكبرى دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، حتى تصل إلى لحظة تفقد فيها قدرتها على التعريف بنفسها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل سيكون هذا المؤتمر بداية استعادة، أم محطة جديدة في مسار التآكل؟