نشر بتاريخ: 2026/03/29 ( آخر تحديث: 2026/03/29 الساعة: 13:55 )
شريف الهركلي

صقور الفتح الستة… دمٌ لا يجف وذاكرة لا تخون

نشر بتاريخ: 2026/03/29 (آخر تحديث: 2026/03/29 الساعة: 13:55)

الكوفية  

في الثامن والعشرين من مارس/آذار من كل عام، تعود الذاكرة الفلسطينية لتطرق أبواب الزمن، لا لتسترجع حدثًا عابرًا، بل لتستحضر سيرة رجالٍ نقشوا أسماءهم في وجدان الوطن بدمائهم الطاهرة. ففي يوم الثامن والعشرين من مارس/آذار 1994، ارتقى ستة من أبرز قادة الجهاز السري لـ"صقور الفتح" في مخيم جباليا شمال قطاع غزة: جمال عبد النبي، ناهض عودة، أنور المقوسي، أحمد أبو بطيحان، مجدي عبيد، وعبد الحكيم شمالي.

اثنان وثلاثون عامًا مرّت على استشهادهم، ولم تبهت الصورة، ولم تخفت الحكاية. في غزة، حيث الحرب لم تغادر، وحيث الألم صار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لا تزال الذاكرة أكثر صلابة من الركام، وأكثر حضورًا من الغياب. هنا، لا تُقاس السنوات بالزمن، بل بمقدار ما يبقى من الوفاء، وما يُصان من العهد.

هؤلاء الشهداء لم يكونوا مجرد أسماء في سجل طويل من التضحيات، بل كانوا قادة ميدان، حملوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن شعبهم في لحظات مفصلية، وسطروا بدمائهم معاني الفداء والانتماء. لقد أدركوا، وهم يمضون في طريقهم، أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الكرامة لا تُستجدى، بل تُصان بالفعل والتضحية.

في هذه الذكرى، لا تبكي غزة أبناءها بقدر ما تحتفي بهم. تحتفي بثباتهم، بشجاعتهم، وبإيمانهم الذي لم يتزعزع رغم قسوة الطريق. وكأنها تقول للعالم: هنا، في هذا المكان المثخن بالجراح، يولد الأمل من رحم الألم، وتُصنع الحياة من بين أنقاض الموت.

ورغم أن الأيام تطول، والسنوات تتراكم، إلا أن الذاكرة الفلسطينية لا تخون. فهي تحفظ وجوه الشهداء، وأصواتهم، وخطواتهم، وتعيدهم كل عام أكثر حضورًا وتأثيرًا. تدق ناقوس الزمن، لتذكّر أن من يكتب تاريخه بالدم، لا يمكن أن يُمحى، وأن الشعوب التي تحفظ شهداءها، تحفظ طريقها نحو المستقبل.

إن إحياء ذكرى صقور الفتح الستة ليس مجرد وفاء للماضي، بل هو تجديد للعهد مع الحاضر والمستقبل. هو تأكيد أن حركة فتح، ومعها الشعب الفلسطيني، لا تنسى أبناءها، ولا تتخلى عن إرثهم النضالي. فهؤلاء القادة لم يرحلوا، بل تحولوا إلى بوصلة تهدي الأجيال، وإلى شعلة لا تنطفئ في درب الحرية.

سلامٌ على أرواحهم الطاهرة، وسلامٌ على غزة التي، رغم الحرب، لا تزال تحفظ الذاكرة… وتكتب الحياة.