نشر بتاريخ: 2026/02/24 ( آخر تحديث: 2026/02/24 الساعة: 15:34 )
مهند عبد الحميد

كي لا يجلب سلام ترامب الضم والتهجير

نشر بتاريخ: 2026/02/24 (آخر تحديث: 2026/02/24 الساعة: 15:34)

بذلت حكومة نتنياهو في الآونة الأخيرة جهودا متسارعة ومحمومة لضم الضفة الغربية، وذلك من خلال قرارات نقل الأراضي المحتلة إلى سيطرة الدولة ومنع المواطنين الفلسطينيين من الوصول إليها، وإزالة القيود عن شراء الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية، وسحب ما تبقى من صلاحيات للسلطة الفلسطينية وحجب الأموال عنها، وهدم منازل الفلسطينيين ونشر البؤر الاستيطانية وممارسة التطهير العرقي، وتغيير هيكل السيطرة الإسرائيلية ونقلها من السلطات العسكرية إلى سلطة مدنية تضم غلاة المتطرفين في مراكزها العليا، حيث اصبح سموتريتش الوزير العنصري المتطرف هو حاكم الضفة الغربية الفعلي، كما ألغت سلطات الاحتلال مضمون اتفاقية إدارة المسجد الأقصى مع الأوقاف الأردنية. وكانت حكومة نتنياهو قد أطلقت العنان للاستيطان بوضع مخطط «E 1» حيز التنفيذ وألغت قرار الانسحاب من شمال الضفة بما في ذلك إعادة بناء المستوطنات المفككة في تلك المنطقة. هكذا تمارس حكومة نتنياهو الضم الفعلي دون الإعلان عنه رسميا، هكذا تهيل التراب على الحل السياسي الموعود وتشطب الدولة الفلسطينية وتلغي حتى اتفاق أوسلو وتستبيح الأراضي الفلسطينية، أرضا وشعبا ومؤسسات، دون حسيب أو رقيب.

ترافقت القرارات والإجراءات الإسرائيلية مع ترؤس ترامب لمجلس «السلام» في واشنطن، وإعلانه بأن الشرق الأوسط يشهد سلاما أكبر مما كان يُعتقد، وتزامنت مع تصريحات للسفير الأميركي في تل أبيب يجيز فيها لإسرائيل حدودا من «الفرات إلى النيل» بحسب النص التوراتي، وفي توضيح السفارة الأميركية شدد الناطق باسمها على حق إسرائيل في الأراضي التي تسيطر عليها – الضفة الغربية -.

ثمة تناقض حاد بين السلام الذي يتحدث عنه ترامب وتشير إليه خطته لوقف الحرب وإعادة الإعمار في قطاع غزة وبين تسونامي الاستيطان والضم لأراضي الضفة الغربية، وتحديدا ما جاء في البند 9 من خطة ترامب الذي يتحدث عن استعادة سيطرة السلطة على قطاع غزة بعد استكمال برنامجها الإصلاحي، وما تتحدث عنه المادة 19 من مسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية كهدف وطموح للشعب الفلسطيني. لكن ما يجري على الأرض هو العكس سواء لجهة تحطيم مقومات الدولة بما في ذلك تفكيك وخنق السلطة والقضاء على طموح الشعب الفلسطيني.

تقول افتتاحية صحيفة «هآرتس» مخاطبة ترامب: مجلس السلام «سيفشل في غزة بتجاهلك نهب إسرائيل لأراضي الضفة، السلام لن يأتي إذا ما تحققت رؤية حكومة إسرائيل في ضم الضفة الغربية، وتضيف، رغم قولك قبل بضعة أشهر في أنك لن تسمح لإسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية، فإن التطهير العرقي في المنطقة (ج)، المنطقة الأكبر في الضفة – يتقدم بوتيرة سريعة». في واقع الحال، لا يمكن فصل تعثر بنود الحل في قطاع غزة وسعي حكومة نتنياهو لإفشاله عما يجري من استباحة في الضفة الغربية. فهذه الحكومة تعمل على إفشال الحل في قطاع غزة من خلال التصعيد النوعي في الضفة والادعاء بأن الضفة على أبواب انفجار. وما كان لنتنياهو وحكومته الكهانية بقادرين على تحدي الدول التي وقعت على بيان نيويورك في الجمعية العامة، والتي أعادت رفض قرارات وإجراءات الضم الإسرائيلية دون الغطاء الأميركي الذي توفره إدارة ترامب وفريقها التفاوضي. لماذا لم تعترض إدارة ترامب على الاستباحة الإسرائيلية للأراضي والمجتمع والحقوق الفلسطينية في الضفة الغربية ولا على استمرار القتل والتدمير في قطاع غزة، في الوقت الذي استجابت فيه العديد من الدول العربية والإسلامية بدفع الأموال – 7 مليار – وبالانضمام إلى - قوات الاستقرار – المزمع تشكيلها وإرسالها إلى قطاع غزة، وبدعم سياسي لمبادرة ترامب بنقاطها العشرين. لقد انتهكت إدارة ترامب التفاهم بين دول بيان نيويورك وقراري مجلس الأمن اللذين ينصان على إنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وتحويل قطاع غزة إلى منطقة منزوعة السلاح والمضي في مسار الحل الذي ينهي الاحتلال لكل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 67 وإقامة الدولة الفلسطينية. التزمت إدارة ترامب بوقف الحرب فقط وسمحت لنتنياهو أن يمضي في مشروعه لتصفية القضية الفلسطينية ما يستدعي التدخل قبل فوات الأوان. تستطيع الدول المشاركة في مجلس السلام والمؤيدة والداعمة للحقوق الفلسطينية المشروعة أن تدعو إدارة ترامب للالتزام الجدي بالصفقة التي أفضت إلى حل النقاط العشرين، والتعامل معها كرزمة واحدة، لا سيما أن المال والمصالح يشكلان عنصرا أساسيا في سياسة ترامب، وأن سياسة حكومة نتنياهو الموغلة في تطرفها وعنصريتها تحولت إلى خطر يهدد الأخضر واليابس في طول وعرض الشرق الأوسط. لا يكفي شجب واستنكار السياسة الإسرائيلية المنفلتة من عقالها والتي باتت لا تحترم الاتفاقات المبرمة مع الدول العربية بل تنتهكها شر انتهاك دون رد. ولا شك في أن الاستفراد الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني ومحاولة فرض الحل الفاشي العدمي عليه، سيجلبان عدم الاستقرار والمخاطر الشديدة على دول وشعوب المنطقة، ما يستدعي عدم إفلات هذه الحكومة من المحاسبة والعقاب.

المواقف العربية والدولية تعتمد إلى حد كبير على المبادرة والأداء والاستجابة الفلسطينية. صحيح أن العامل الذاتي الفلسطيني في أصعب حالاته كونه امتنع عن تطوير الذات ولم يستعد بالحد الأدنى للصعاب والكوارث التي تحل عليه وتزداد يوما بعد يوم. ولكن لا مناص من قبول التحدي والدخول في مهمة الدفاع عن النفس بطرق ووسائل غير تقليدية المتزامنة مع إعادة بناء العامل الذاتي على قاعدة المصلحة الوطنية العليا وهي بقاء المجتمع موحدا ومعافى في وطن. الممر الإجباري هو نقد المراحل السابقة وبخاصة مرحلة 7 أكتوبر وحرب الإبادة وإعادة تعريف الأولويات التي تساعد في تماسك المجتمع، أولوية الحفاظ على المؤسسات التي لا غنى للمجتمع عنها وهي مؤسسة الصحة ومؤسسة التعليم ومؤسسة الشؤون الاجتماعية أو الضمان الاجتماعي. وهذا يتطلب قلب كل حجر واستنفار كل الطاقات والإمكانات الفلسطينية في الداخل والخارج لدعم بقاء هذه المؤسسات في القيام بأدوارها ووقف التدهور والنهوض مجددا. ولا مناص من تعديل جوهري في المؤسسة الرسمية وخطابها السياسي والإعلامي وجهازها الإداري بما في ذلك السلك الدبلوماسي. نحن بحاجة إلى خلايا أزمة وليس إدارات فضفاضة بلا وظائف وأدوار. إن كل خطوة في الاتجاه الصحيح تقود إلى الاستنهاض وتجاوز حالة اليأس من التغيير. دفاع المجتمع عن نفسه في مواجهة العمى الأيديولوجي والتطرف والتخلف والفساد واجب كل مواطن. عندئذ يستطيع المجتمع الدفاع عن نفسه في مواجهة الاقتلاع والتهجير والاضطهاد.

الأداء بحاجة إلى إعادة بناء العامل الذاتي الفلسطيني على قواعد تلتزم بالمصلحة الوطنية العليا وهي بقاء المجتمع موحدا ومعافى في وطنه. اعتقد أن الممر الإجباري هو نقد المرحلة السابقة بجرأة وبمسؤولية. كما اعتقد أن إيلاء أهمية قصوى لمؤسسات الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي كأولوية وهذا يتطلب قلب كل حجر واستنفار كل الطاقات والإمكانات الفلسطينية في الداخل والخارج. وربما يتطلب الأمر إعلان حالة طوارئ يتم فيها الانحياز إلى أولويات وتعديل جوهري في المؤسسة والجهاز الإداري البيروقراطي الشائخ بما في ذلك السلك الدبلوماسي. نحن بحاجة إلى خلية أزمة... وفي البال أشياء أخرى.