مجلس السلام.. حين يجلس العالم على أنقاض غزة
بقلم: شريف الهركلي
مجلس السلام.. حين يجلس العالم على أنقاض غزة
الكوفية في الصورة المتخيلة، يتوسط دونالد ترامب المشهد، تحيط به وجوه تُسمّى “عظماء العالم”، خلفهم أعلامهم وأمامهم عدسات الصحافة العالمية، وتحت أقدامهم يقفون جميعًا على مسرح الجريمة المبني على جماجم أطفال ونساء غزة. لم يُسدل ستاره بعد؛ مسرح شُيّد ــ مجازًا ــ فوق أنقاض البيوت وأحلام الأطفال. الكاميرات تلتقط الابتسامات الرسمية، والبيانات تُصاغ بعناية لغوية فائقة، لكن الدخان في الخلفية لم يتبدّد، وصوت الأمهات لم يُخفض في جدول أعمال مجلس السلام.
أيّ مفارقة هذه؟ دول تملك من القوة ما يكفي لإعادة رسم خرائط الكوكب، تعجز ــ أو تتعاجز ــ عن إيقاف نزيفٍ في رقعة صغيرة اسمها فلسطين. مساحة ضيقة جغرافيًا، واسعة سياسيًا، تشغل منابرهم، تملأ خطاباتهم، وتُستثمر في مواسم الانتخابات أكثر مما تُستثمر في مواسم العدالة.
هنيئًا لكِ يا غزة، صرتِ عروس الحفل الدولي الساخر؛ يرفعون اسمك في المجالس والمؤتمرات، ويخفضونه في قرارات الإلزام. يتغنون بحقوق الإنسان، ثم يختلفون على تعريف الإنسان حين يكون فلسطينيًا. يطالبون بالتهدئة، وكأنّ الضحية مطالَبة دائمًا بضبط النفس، فيما الجلاد يقف مبتسمًا في مجلس السلام، والرئيس الفلسطيني يراقب المشهد من بعيد. أي عدالة دولية هذه؟
هل هذا مجلس لإنهاء الحرب أم لإدارتها بأناقة؟ هل هو منصة لردع العدوان أم مظلة تمنح الوقت لمن يملك القوة؟ “مجلس السلام” اسم لامع، لكن الأسماء لا تصنع الحقائق. هل هو مجلس يملك أدوات الفعل، أم منصة لإدارة العجز؟ هل هو طاولة لوقف الحرب فعلًا، أم مسرح لإعادة تدوير البيانات؟ سلام هشّ ككراسي القش الخشبية المتآكل قشها، يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الشعوب المطحونة، فيما الطاحونة تدور ولا أحد يوقفها. أهو مجلس للسلام أم مطحنة للشعوب؟ أم مقصلة تُجمّل حدها بشعارات براقة؟
الفلسفة السياسية تعلمنا أن السلام ليس غياب الحرب فحسب، بل حضور العدالة. وما لم تُعالج جذور الصراع، سيبقى كل اتفاق هدنة مؤقتة، وكل بيان ورقة تين على عورة العجز. تقرير المصير ليس منحة تُعطى، بل حق أصيل تكفله الشرائع الدولية ذاتها التي يتغنى بها المجلس في افتتاحياته.
ثم أين موقع الفلسطيني من كل هذا؟ هل كان شريكًا في صياغة هذا المجلس، أم مجرد موضوع على جدول أعماله؟ هل استُشير الشعب الذي تُقصف مدنه في آليات الحل، أم فُرضت عليه هندسة سياسية تحت ضغط الدخان ورائحة البارود؟ وأين القيادة الفلسطينية؟ أين الرئيس محمود عباس من هذه الطاولة الدولية؟ هل غابت الدعوة، أم غاب التأثير، أم غابت الإرادة الجامعة؟ وأين العمق العربي الذي طالما ردّد أن فلسطين قضيته المركزية؟ أهو مركز في الخطاب فقط أم في الفعل أيضًا؟
السخرية هنا ليست زخرفة أدبية، بل وسيلة دفاع أخيرة أمام واقع يتقن صناعة المفارقات. عالم يُتقن تنظيم المجالس والمؤتمرات أكثر من إيقاف الحروب، ويُحسن صياغة البيانات أكثر من صياغة الحلول. مجلس يتحدث عن السلام فيما السلام نفسه ينتظر إذن الدخول في مجالسهم.
السلام الحقيقي لا يُصنع في الصور الجماعية، بل في قرارات شجاعة تُنهي العدوان، وتعيد للإنسان الفلسطيني حقه في الحياة الكريمة، في دولة كباقي شعوب الأرض. ما عدا ذلك، سيبقى مجلس السلام عنوانًا أنيقًا لواقع قاسٍ، وستبقى غزة امتحانًا أخلاقيًا يسقط فيه العالم كلما ادّعى أنه نجح.
مجلس السلام لا يلبي أدنى حقوق للفقراء والدراويش الفلسطينيين.
السلام هنا لا يُقاس بعدد الكلمات، بل بعدد الأرواح التي كان يمكن إنقاذها ولم تُنقذ.
السؤال الأهم: هل هذا المجلس بديل عن الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي؟ هل هو صفعة للقوة الدولية في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي؟ هل القرارات التي يصدرها المجلس لها سلطة تنفيذية دولية؟
الجواب واضح: مجلس السلام منصة سياسية إعلامية لا تمتلك صلاحية فرض قرارات على الأطراف المتنازعة. الدليل أنه لم يصدر أي قرار يلزم إسرائيل بوقف عدوانها على قطاع غزة، لأنها تتعامل مع القوة الكبرى برومانسية سياسية.
يجب وجود حضور وطني للشعب الفلسطيني وتمثيل قانوني حقيقي في كافة المجالس التي تناقش المنعطفات الخطرة للقضية الفلسطينية. أي غياب للفلسطينيين في أروقة الحل الدولي هو باطل، ويفقد الشرعية الإنسانية لشعب يُغيّب، ليحل محله عدوه في صياغة الحلول.