العنصرية تهدم الديمقراطية
نشر بتاريخ: 2026/11/02 (آخر تحديث: 2026/11/02 الساعة: 14:13)

بقدر ما كانت الانتخابات الإسرائيلية تشكل واحدة من ذرى أزمة دولة الاحتلال، فإنها أيضا مؤشر على منعطف نحو ذروة أخرى، في سياق الصراع الفلسطيني والعربي المحتدم.

تكشف هذه الانتخابات عن هشاشة «الديمقراطية» الاسرائيلية التي تحيل قواعد وأسس النظام الديمقراطي، إلى أداة استعمارية عنصرية تتسم بالفاشية، وتطيح بكل أخلاقيات وأدبيات وميكانيزمات النظام الديمقراطي الذي عرفه العالم.

لقد أدخل نتنياهو وائتلافه خلال السنوات الأربع المنصرمة، جملة من التغيرات على طبيعة النظام، الذي بني على الولاء والطاعة، وعلى الإطاحة باستقلالية السلطات الثلاث، لخدمة طموحات سياسية وشخصية.

الديمقراطية الإسرائيلية المزعومة ليست استثناء فلقد بنيت الديمقراطيات الغربية على الاستغلال والاستعمار وشن الحروب، ونهب ثروات الشعوب حتى سقطت الاقنعة، والقيم، ومعايير القانون الدولي، تحت وطأة سياسات مزدوجة والدفاع عن افظع المجازر واكثر درجات الإرهاب قسوة.

على أن الديمقراطية الاسرائيلية بقدر ما أنها كشفت زيف الديمقراطيات الغربية، إلا أنها سبقت الجميع في السقوط والانكشاف.

حين يعتبر الطيف السياسي الأوسع والذي يمثل الأغلبية الساحقة في المجتمع الاسرائيلي، ان عشرين في المئة من المكون المجتمعي وهم الفلسطينيون خارج الحسابات فإن ذلك يؤشر على الطبيعة العنصرية بأقبح أشكالها.

قبل أن تجري الانتخابات، شن نتنياهو وحكومته حملة مسعورة على العرب، وحاول الطعن في القوائم العربية لإخراجها من السباق الانتخابي، وحرض بشكل مكشوف على كل من يحاول التعاون مع القوائم العربية باعتبار ذلك خيانة للصهيونية.

وخلال الانتخابات خرج نتنياهو يصرخ كالأطفال يحفز الناخبين اليهود على الذهاب بكثافة إلى مراكز الاقتراع، باعتبار ذلك يشكل حماية للدولة.

لم تتوقف الحملة على العرب، بعد الانتخابات إذ حاول نتنياهو نزع الشرعية عن الانتخابات ووجه اتهامات خطيرة، وطالب لجنة الانتخابات المركزية بالتحقيق في مزاعم سرقة الانتخابات، وتلقي رشى وتمويل خارجي.

كان من الطبيعي أن يستجيب رئيس الشاباك الذي عينه نتنياهو، ثم يلتحق به رئيس الموساد لجمع الأدلة وإجراء التحقيق رغم أن لجنة الانتخابات المركزية، صدر عنها ما يشير إلى أنها لا تملك الأدلة، وان النتائج لن تتغير.

إنها ألاعيب نتنياهو الذي فاز حزبه على الأحزاب الأخرى بعدد المقاعد وفاز ائتلافه على معسكر آيزنكوت، لكنه كان فوزاً بطعم الخسارة، لأن أياً من المعسكرين لا يستطيع تشكيل الحكومة المقبلة.

بعد لعبة التحقيقات في مخالفات مزعومة ارتكبتها القوائم العربية يحاول نتنياهو أن يسوق فكرة حكومة وحدة وطنية يقودها بالتناوب مع آيزنكوت، يبدأ هو فترتها الأولى لسنتين، في انتظار المساعدة من ترامب، فإن لم ينجح فإنه سيعمل على تعطيل قدرة آيزنكوت على تشكيل حكومة ضيقة، تحظى بشبكة أمان من القوائم العربية. المحاولات جارية من قبل آيزنكوت للاستفادة من عرض القوائم العربية، لكن العقدة تظل عند ليبرمان الذي يرفض تماماً هذا العرض، بينما لم يفصح لابيد وبينيت عن مواقفهما.

المرجح ان آيزنكوت سيحظى بتكليف الرئيس الاسرائيلي للبدء بمشاورات تشكيل الحكومة، ذلك أن الكتل، ستقدم مواقفها خلال مشاورات هرتسوغ، والقوائم العربية ستمنح آيزنكوت الموافقة حتى لو أن معسكره قد يرفض لاحقاً، الاعتماد على شبكة أمان القوائم العربية.

ومحاولات نتنياهو لن تتوقف، ففي حين سيلتئم الكنيست في العاشر من الشهر الجاري بعد الإعلان النهائي عن النتائج فإن نتنياهو سيحاول تعطيل الجلسة الأولى التي ستحرص المعارضة خلالها على تغيير رئيس الكنيست.

سيرفض رئيس الكنيست عقد الجلسة، وستذهب المعارضة إلى المحكمة العليا، ما يطيل أمد تحقيق الإنجاز الأول للمعارضة، وهو تغيير رئيس الكنيست واستبداله بآخر من المعارضة.

العنصرية في اسرائيل سواء على مستوى السياسة او مستوى المجتمع لم تظهر فجأة وخلال الانتخابات، فهي موجودة منذ زمن طويل، وتتخذ طابع إهمال البلدات العربية ونشر الجريمة وهدم البيوت ومصادرة الاراضي، وتكميم الأفواه، والقتل.

غير أن هذه العنصرية بلغت الذروة من القبح والفجاجة خلال الانتخابات، فالحكومة الإسرائيلية تتعامل مع مواطنيها الفلسطينيين على انهم يشكلون خطراً على الدولة وهويتها اليهودية الصهيونية.

وفي الحقيقة فإن الفلسطينيين في إسرائيل بغض النظر عن أشكال التعبير التي يستطيعون استخدامها، فإنهم يشكلون عقدة كأداء أمام تكريس الهوية الصهيونية للدولة، ولذلك فإنهم سيكونون هدفا صريحاً للسياسات اللاحقة.

لا يفوتني أن أسجل خطأ السياسة الرسمية الفلسطينية التي علقت على الانتخابات بالقول إنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية لإسرائيل، وألحقتها بأمل غير قابل للتحقيق، بأنها تنتظر تشكيل حكومة إسرائيلية مستعدة للتفاوض بشأن السلام.

إسرائيل لا تتدخل فقط في الشؤون الداخلية الفلسطينية بل إنها تقوم بهدم كل شيء ينتمي لفلسطين وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ولذلك لا بد أن تكون السياسة الفلسطينية مستعدة لاستخدام ما باستطاعتها لمواجهة سياسات الاحتلال.