أنتم خائفون، هكذا يريدكم نتنياهو
نشر بتاريخ: 2026/10/12 (آخر تحديث: 2026/10/12 الساعة: 20:31)

• إن بعضنا لا يعرف، أو ربما نسيَ كيف ترسخت عبارة "إنهم خائفون" في لغتنا اليومية. لقد وردت هذه العبارة في خطاب نتنياهو الانتخابي في سنة 1999، في سياق تحدّيه إيهود براك وأنصاره؛ أمّا اليوم، وبعد مرور ما يقارب الثلاثين عاماً، لا تزال لازمة "إنهم خائفون" تتردد، على الأرجح، في مكتب رئيس الحكومة، استعداداً للانتخابات المقبلة، لكن هذه المرة، يُهمَس بها خلف الكواليس كمؤامرة دعائية، خلال اجتماعات الحملة الانتخابية مع أوريخ وبقية المستشارين.

• هذه المرة، تستهدف عبارة "إنهم خائفون" مواطني إسرائيل، وكل شخص منا، ومخاوفنا التي نواجهها جميعاً منذ السابع من أكتوبر، على المستويَين الفردي والجماعي. تنطلق الخطة من افتراض أننا خائفون، وإذا كنا استعدنا عافيتنا، على سبيل المصادفة، بعد أن أمطرونا بأمجاد المعارك والثقة بالنفس طوال أعوام، فلا بد من إخافتنا مجدداً؛ يجب حقن عروقنا بالقلق، بجرعات أكبر وأكثر كثافةً من أيّ وقت مضى.

• إن الخوف سلعة أساسية مأخوذة مباشرة من كتاب الحيل السياسية لميكافيللي، واستُخدم أيضاً على مرّ السنين لتحريك التركيبة الأيديولوجية المعروفة باسم الفاشية؛ فالقلق الوجودي من الأعداء في الخارج والخوَنة في الداخل، إلى جانب وهم القائد القوي الذي سيتصدى لهم ويغذي الجماهير بالفخر القومي، هي المواد القابلة للاشتعال التي تحرّك الجماهير. هكذا كان الأمر في ألمانيا قديماً، وفي روسيا اليوم أيضاً. يجري التلاعب بهذه الدينامية أمام أعيننا، عبر دعاية انتخابية محمومة وشبكات التواصل الاجتماعي. فمنذ ذلك اليوم المشؤوم، غيّرت صدمة ما بعد الكارثة الحمض النووي للمجتمع الإسرائيلي، وهي تطفو على السطح، مراراً وتكراراً، في نشرات الأخبار، وفي شبكات التواصل الاجتماعي، وفي الكوابيس. ربما يبدو الأمر غير منطقي، لكن بثّ الذعر في نفوس الجمهور يخدم مصلحة نتنياهو من الناحيتين النفسية والإدراكية، على الرغم من أنه يتحمل مسؤولية كبيرة عن الإخفاقات التي أوصلتنا إلى الأزمة الراهنة.

• إذاً، "إنهم خائفون"، وهناك كثير ممّا يمكن استغلاله، لكن ثمة مشكلة هنا؛ فعلى مدى أعوام، عمل رئيس الحكومة وشركاؤه في اليمين على ترسيخ الإيمان، عبر الصلوات والأغاني والخطب، بأن "الشعب الأبدي لا يخاف". لطالما استند نتنياهو إلى الشعور بالقوة الذي يجسده كقائد قوي لشعب قوي. إنها خلطة من الفخر القومي، والشعور بالتفوق، ونشوة القوة، على غرار مقولة "لن تنتصروا عليّ مطلقاً". منطقياً، لا يمكن التوفيق بين هذا الخطاب وبين القول إن إسرائيل تواجه تهديداً واضحاً ووشيكاً، بينما هي في الوقت نفسه، في أوج قوتها، وعلى بُعد خطوة من تحقيق "النصر المطلق". لا توجد منطقة وسطى، فالوسط لا يخدم المصالح الانتخابية؛ إنها حالة اضطراب في الشخصية الجماعية، ولا يبدو كأن في الائتلاف الحكومي مَن يمتلك المؤهلات اللازمة لمعالجتها، بصفته اختصاصياً نفسياً؛ اختصاصيون نفسيون! حتى جراح الأعصاب لن يتمكن من لصق هذين المتناقضَين معاً: فص الثقة بالنفس والشعور بالأمان، وفص القلق الوجودي. لسنا بحاجة إلى الذكاء الاصطناعي لكي نفهم أن هذين المتناقضَين، في هذه الحالة، لن يؤديا إلى عملية جمع منطقية.

القلق لا يخضع للمنطق، أمّا السياسات، فيجب أن تخضع له

• مع ذلك، لا يزال هناك مَن يواصل بثّ الرعب، عبر نبش الجروح وإضعاف جهاز المناعة، وفي المقابل، يقدم لنا أدوية لرفع المعنويات وتعزيز الفخر القومي. إنها مواد تغيّر الوعي، وربما تؤثر في بعضنا، لكنها لا تقدم أيّ حل عقلاني، أو عملي، أو ميداني. إن التهديد بتكرار سيناريوهات الرعب مستقبلاً هو محفّز يعيد تنشيط تجربة الصدمة القتالية التي نعيشها. كان السابع من أكتوبر الحلم الذي راود يحيى السنوار، لكننا لم نكن نتخيل أن تحقيقه ممكن حتى في أشد كوابيسنا. لقد اعتقدنا، بحُسن نية، أن هناك مَن يتصور إمكان وقوع مثل هذا السيناريو ويستعد لمنعه. لم يفاجأ أحد بأن "حماس" وأمثالها يسعون لذبحنا، لكن الصدمة الكبرى تمثلت في الانهيار الشامل للمنظومة الأمنية أمام مسلحين ينتعلون "النعال، ويحملون الكلاشينكوفات ويتنقلون في شاحنات صغيرة." بحسب ما قال أحدهم ذات مرة. وهذه مسؤوليتنا نحن.

• على غرار ما حدث في ألمانيا وروسيا، كذلك الأمر في غزة؛ فالخوف والعجز والفقدان هي المواد الأساسية التي تغذي التنظيمات "الإرهابية" الإسلامية وأوساطاً من الفلسطينيين أيضاً؛ يحيى السنوار وحسن نصر الله وأمثالهما يمجّدون الفخر القومي والإيمان الديني المتشدد، من أجل منح أنصارهم آمالاً زائفة بتطهير الأرض المقدسة من الكفار والانتقام لمقتل أقاربهم. إنه وعد فارغ بتحقيق رؤية مسيانية قديمة مستوحاة من الله، وليس من الواقع.

• وعلى نقيض ذلك، وبفضل دعم العالم الغربي، تعاظمت قوة إسرائيل، وتسلحت، وكانت الغلَبة العسكرية دائماً في يدها. وحتى اليوم، لا تواجه إسرائيل تهديداً وجودياً، باستثناء ما يمكن أن ينجم عن انهيار مجتمعها من الداخل، وعن تدهور مكانتها الدولية، وخصوصاً لدى حلفائها؛ فإسرائيل، المستندة إلى الدعم الدولي وتدفُّق الأموال والأسلحة، تسيطر على أجواء الشرق الأوسط، بل على ما وراءه، وصولاً إلى إيران. لم يغيّر السابع من أكتوبر موازين القوى هذه، بحسب ما اكتشفنا في عمليات الجيش الإسرائيلي والموساد منذ ذلك الحين، سواء في الحرب على غزة، أم الهجوم على إيران، أو عملية "البيجر". وكلما سمعنا وقرأنا واكتشفنا المزيد، اتضح أن "المجزرة" كانت نتيجة إخفاق هائل للمنظومة الأمنية والمستوى السياسي. بدءاً من سياسة إدارة الصراع بصورة سلبية مع الحفاظ على الوضع القائم، مروراً بالقصور الاستخباراتي واللامبالاة والإهمال، وصولاً إلى التقاعس المستمر عن أداء الواجب في الوقت الحقيقي من جانب كبار القادة ورئيسهم الغارق في سباته. لقد أُهملت ميزتنا النسبية، لكن الأمر لا يزال في أيدينا، أكثر مما هو رهينة لأوهام هذا "الإسلاموي"، أو ذاك. يمكن إعادة هيكلة المنظومة وتصحيح المسار على المستويَين السياسي والأمني. ومن المفترض أن تساعد لجنة تحقيق رسمية ومستقلة في عملية التعافي، بما يعيد إسرائيل إلى الطريق الصحيحة. ما دامت إسرائيل تستند إلى العقل والبراغماتية ورباطة الجأش، فستظل قوة عظمى تحظى بدعم قوى عظمى أُخرى، على الأقل حتى الآن، لكن هذا يعيدنا إلى الانتخابات؛ فالعقل والبراغماتية ورباطة الجأش لا تخدم نتنياهو؛ أمّا الخوف، فيخدمه.

إذاً، هل يخاف المؤمنون أيضاً؟

• الخوف مطلوب، ويجب الإبقاء عليه لأغراض الدعاية، ولدى اليمين حلول سحرية تتمثل في الجرعات الوهمية من الطمأنينة والرؤى المسيانية، كبدائل من التحقيق والنقد واستخلاص الدروس، وهي أمور ربما تكشف القيادة على حقيقتها. إن الحلقة المفرغة التي تجمع بين الخوف البدائي من جهة، والآمال الزائفة من جهة أُخرى، هي وسيلة التشتيت التي يعتمدون عليها؛ فمن جهة، يتهمون "قنوات الهلع" بنشر المخاوف، ومن جهة أُخرى، يبثّون الرعب بأنفسهم. ولا ينبغي لنا أن ننسى تصريح يعقوب بردوغو، خلال بثّ تلفزيوني قبل السابع من أكتوبر ببضعة أشهر، حين قال إن غادي أيزنكوت يروّج هلعاً زائفاً بشأن وقوع حدث أمني. يريد بردوغو وآخرون أن تكونوا خائفين، لكن ما قيمة الخوف إن لم في الإمكان التحكم فيه؟ الخوف من "حماس"، والخوف من إيران، والخوف من اليسار، والخوف من الفوضويين. إن هدف نتنياهو ومستشاريه واضح: أن تشعروا بالخوف في غيابه، وبالأمان في وجوده، لكن من الصعب التوفيق بين الأمرين منطقياً.

• إن المنطق لا يستقيم، وربما يكون هذا هو جذر المشكلة: صورة نتنياهو القوي الذي لا يخاف أحداً، وهي صورة نجح مستشاروه في توظيفها خلال عدد لا يُحصى من الحملات الانتخابية السابقة، لكن في الواقع، وقعت أكبر كارثة في تاريخ إسرائيل خلال فترة حُكمه الطويلة جداً، والمليئة بالإخفاقات. هناك مَن يراه شجاعاً، وهناك مَن يراه مستهتراً. إنه يخيفنا، لكنه لا يخاف هو نفسه بما يكفي. وبصفته رئيس حكومة قوياً، يكرر التهديدات، المرة تلو الأُخرى، ويحرص على إنتاج تهديدات جديدة كي يتلاعب بمشاعركم، ثم يتقاعس عن الاستعداد لها عملياً؛ إذاً، نعم، كلنا خائفون، ولهذا السبب تحديداً، يرى كثيرون منا أن الطريق المنطقية والعملية والواثقة نحو التعافي تبدأ، على وجه التحديد، بإتاحة الفرصة لمواصلة المسيرة من دونه.