نتنياهو المنبوذ دولياً
نشر بتاريخ: 2026/09/29 (آخر تحديث: 2026/09/29 الساعة: 14:52)

قد لا يذكر التاريخ زعيم دولة تعرض لما تعرض له بنيامين نتنياهو من رفض عالمي وذلك في واحدة من أهم المناسبات الأممية، التي تعقد بشكل دوري كل عام، ونقصد بذلك انعقاد الجمعية العامة بحضور رؤساء الدول وقادتها، ليلقوا تباعاً من على منصة الجمعية خطاباتهم التي يستعرضون فيها سياساتهم؛ وذلك بهدف إقناع ليس حكومات وقادة الدول بل شعوبها بأنهم يقودون دولهم بما يتلاءم مع ما تريده الشعوب من أمن وسلام واستقرار دولي.

وربما كان نتنياهو قد تعرض لأسوأ موقف يمكن أن يتعرض له ليس فقط زعيم عالمي بل رئيس حكومة إسرائيلي من قبل، بل حتى بالمقارنة معه شخصياً فإنه يمكننا أن نقول وبثقة إن مشاركته قبل أيام في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة كانت أسوأ مشاركة له وحتى بالمقارنة مع المناسبتين السابقتين اللتين جاءتا خلال الحرب التي ما زالت تشنها إسرائيل على أكثر من دولة في الشرق الأوسط.

قبل كل شيء فإن تقاطع وفود ثمانين دولة كانت في القاعة إلى حين اعتلى نتنياهو منصة الخطابة ثم غادرت عمداً وعلى الملأ، احتجاجاً على وجود الرجل وهذا طبعاً إضافة إلى المتغيبين أصلاً يعني أن وفود بضع دول قد لا يتجاوز عددها نسبة 5% من الدول العضو في المنظمة الدولية هم من استمعوا إليه بما يؤكد بما لا يدع مجالاً لأي شك بأن نتنياهو يمثل في أحسن الأحوال حكومة منبوذة دولية، بما يؤثر على المدى ليس البعيد على مكانة إسرائيل نفسها وكان حال الدول التي غادرت القاعة أثناء إلقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية كلمته أو بالتحديد مجرد أن اعتلى المنصة وقبل أن يبدأ الكلام، يقول كما قال زهران ممداني عمدة نيويورك وكما قال الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان وأكثر من زعيم دولة آخر بأن مكان نتنياهو هو المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي وليس جمعية الأمم المتحدة في نيويورك.

ومن ثم بدا تأثير المقاطعة التي جاءت استجابة لدعوة دولة فلسطين لممارسة هذا الشكل من الرفض لسياسة إسرائيل المتعارضة مع كل المنظومة الدولية، إن كان على المستوى القضائي بعدم الاستجابة لكل قرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات التي توقعها بنفسها أو على المستوى السياسي بالتضاد مع الإجماع والأغلبية الدولية التي تقف ضد الحرب التوسعية والاستعمارية التي تواصل إسرائيل السير عليها إضافة لرفضها تماماً وعدم الاكتفاء بالرفض الكلامي لحل الدولتين الذي تريده كل دول وشعوب العالم، ظهر امتعاض نتنياهو حين خاطب القاعة قبل أن يبدأ كلمته واصفاً مقاطعيه أو رافضي مشاركته بالجبناء أخلاقياً وطالباً ممن وصفهم بمن بقي من الجبناء بأن يعودوا إلى أوطانهم وهذا عملياً هو منطق إسرائيل منذ العقود التي قادها فيها نتنياهو وهو أن يصنع عالماً خاصاً به على مقاسه خاصة في الشرق الأوسط، ثم يطلب من الجميع أن يعيدوا تشكيل أنفسهم بناء على مقاسه أو يغادروه مع أن المنطق والطريق الأسهل والممكن عمليا هو أن يتوافق هو مع الأغلبية مع الآخرين حتى يتعايش معهم خاصة.

على أي حال لم تتوقف مظاهر «نبذ» نتنياهو من قبل المجتمع الدولي عند هذه الحدود وحسب.

فحتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو الزعيم الوحيد في العالم الذي ما زال يقف إلى جانب نتنياهو رغم رفض أكثر من نصف النظام الأميركي لهذا الأمر خاصة ما يخص مواصلة الحرب الاستعمارية التوسعية في الشرق الأوسط، نقصد الحزب الديموقراطي الذي يتداول السلطة باستمرار مع الحزب الجمهوري والذي حتى وهو خارج البيت الأبيض في ولاية ترامب الحالية هو موجود في السلطة التشريعية أي الكونغرس بالنصف تقريباً، أما على الصعيد الشعبي فإن ترامب يمثل أميركا رسمياً لكن مشاركته نتنياهو الحرب في الشرق الأوسط تحوز على تأييد أقل من ثلث الشعب الأميركي.

نقول حتى ترامب لم يلتقِ نتنياهو هذه المرة رغم أنه التقى العديد من قادة الدول بل إنه حرص على لقاء مساعديه الوفد الإيراني فيما استقبل هو شخصياً الرئيس الصيني بشكل أسطوري، دل على أن الصين تتمتع بمكانة استثنائية ليس لدى الدول الصديقة أو الحليفة بل لدى الخصم والمنافس الكوني وبذلك فقد كان من المظاهر التي «دلت» على أن نتنياهو ليس مرغوباً فيه في هذا الملتقى الدولي إنه اضطر للتواجد في أميركا بضع ساعات فقط وأنه ألقى كلمته وغادر خشية أن يجد عمدة نيويورك منفذاً لتنفيذ قرار المحكمة الدولية بإلقاء القبض على المتهم الدولي وتسليمه للعدالة.

كذلك لا بد من الإشارة إلى أن نتنياهو استقبل بالتظاهرات المنددة وهذا أيضاً مظهر قلما يواجه به بعض قادة الدول، ثم بعد هذا جاءت كلمة نتنياهو ليست مشبعة بالأكاذيب والادعاءات كما أشار وقال أكثر من مسؤول عالمي، بل هاجم خلالها العديد من قادة الدول وكان منهم على سبيل المثال لا الحصر الرئيس التركي أردوغان الذي وصفه بالطاغية، كذلك هاجم نتنياهو قطر التي هي معروفة في العالم بكونها وسيطاً دبلوماسياً ذكياً وفعال نجح في التوسط في أفغانستان وكذلك هو وسيط مع باكستان بين أميركا وإيران وهو الوسيط الذي طالما قبل به نتنياهو بل وأراده طوال سنواته بالذات بينه وبين حماس وهي كانت الوسيط المهم حتى في الحرب الحالية.

ولم يوفر أحداً بما في ذلك بريطانيا وفرنسا كما أنه ما زال يروج لبضاعة باتت شعوب العالم حتى الأميركية والأوروبية منها تملها من كثرة ما تستخدم في كل مناسبة وفي كل سياق سياسي أو انتخابي وتقصد اتهام الآخرين بمعاداة السامية بما في ذلك اليهود المطالبين بحل الدولتين أو المؤيدين للحل السياسي والرافضين لمواصلة نتنياهو حرب الإبادة في فلسطين المحتلة ومن هؤلاء منظمة اليهود من أجل السلام التي نظمت التظاهرات المنددة بوجوده في نيويورك.

لقد كان لافتاً أن البعض توقع أن يكون استقبال نتنياهو في نيويورك أقل حدة من استقباله خلال العامين الماضيين أي قبل إعلان مبادرة ترامب ذات النقاط الأربع والعشرين لكن ما حدث هذا العام يؤكد أن أهم ما في الأمر هو أن إسرائيل خاصة في ظل قيادة الحكومة المتطرفة الحالية لم تعد عدوة للشعب الفلسطيني بإصرارها على مواصلة احتلال أرض دولته والتنكر لحقه في تقرير المصير وحسب، بل إنها صارت عدوة لدول وشعوب الشرق الأوسط حين أفصحت عن برنامجها السياسي بجوهره المتمثل في قيام دولة إسرائيل الكبرى وبذلك صارت عدة دول شرق أوسطية لا نبالغ لو قلنا كلها بعد أن أعلن نتنياهو بأنه شكل تحالفاً استراتيجياً مع اليونان وقبرص والهند ضد المحور الشيعي أولاً ثم السني تالياً فوضع الجميع في خانة العداء ولأن السبيل إلى ذلك هو الحرب وفي الحرب ترتكب الجرائم في عصر لم يعد فيه ما يمكن إخفاءه مما يحدث على الأرض فأخذ نتنياهو إسرائيل إلى حرب إبادة في غزة وإلى تطهير عرقي في الضفة الفلسطينية وإلى ارتكاب جرائم حرب في لبنان واليمن وإيران والاعتداء على سيادة دول: سورية وقطر والعراق.

وتتابع أو استمرار التنديد الدولي بمستوييه الرسمي والشعبي بإسرائيل للعام الرابع على التوالي أمر يجب أن يخيف إسرائيل كدولة وكمؤسسات ذلك أن لفظ رئيس الحكومة والتنديد بالحكومة التي تمثل إسرائيل باستمرار سيمس دولة إسرائيل بما سيؤثر على مستقبلها دون شك، ذلك أنه حين لا تضع الدولة حداً لقادتها الفاشيين فإنهم يجرون دولهم إلى الهاوية.

وإذا كانت أمام إسرائيل فرصة تتمثل في انتخابات الكنيست التي ستجري بعد شهر من الآن فلا بد لها أن تستثمرها فتلفظ نتنياهو حتى لا يلفظ العالم إسرائيل كما لفظ نظام الفصل العنصري من قبل.