هل نتنياهو قائد تاريخي .. حقاً؟
نشر بتاريخ: 2026/09/28 (آخر تحديث: 2026/09/28 الساعة: 16:16)

سأحاول أن أكتب سلسلة مقالات متتالية من اليوم وحتى ظهور نتائج الانتخابات الإسرائيلية - إن عُقِدت - تتعلق ببنيامين نتنياهو؟؟؟، هذه الشخصية الفريدة في حياة الدولة العبرية وذلك لقناعتي الراسخة بأهمية هذه الشخصية في واقع هذه الدولة، وفي تقرير مصير وجودها وبقائها في المستقبل.

وسأحاول في سياق هذه المقالات أن أُعرج على علاقة هذه الشخصية بالتطورات التي طرأت في وعلى المجتمع الإسرائيلي في العقود الثلاثة الأخيرة. وخصوصاً في النصف الثاني من العقد الأخير، وطبعاً بالعلاقة مع الانتخابات.

لم تكن شخصية نتنياهو مثيرة للجدل قبل أربع أو خمس سنوات كما هي مثيرة لهذا الجدل، اليوم، وقبل الانقلاب القضائي وأثناءه وما بعد السابع من أكتوبر.

لا تعترف العلوم السياسية بأن كل زعيم سياسي هو رجل دولة، ولا تعترف بالمقابل أن كل رجل دولة يجب أن يكون زعيماً سياسياً بالضرورة.

أما إذا كان رجل الدولة هو زعيم سياسي أصلاً فلا مناص من اعتبار هذه الشخصية شخصية مؤثرة وملهمة. وعندما يتلازم كل ذلك مع تحولات كبرى في الحقل الاقتصادي والأمني والازدهار الاجتماعي والثقافي تصبح هذه الشخصية تاريخية خصوصاً عندما تساهم في اعادة تشكيل الوعي الاجتماعي، وعندما تمارس درجة مؤثرة من الهيمنة الثقافية على المجتمع.

لا شك أن بن غوريون وشمعون بيريس وحتى ليفي أشكول وغولدا مائير كامرأة كانوا رجال دولة.

ولا شك أن بيغن وشامير كانا زعيمين بسبب تزعمهما لمنظمتين صهيونيتين مقاتلتين.

وكان رابين حالة خاصة من المهابة العسكرية، وكذلك شارون.

فأي شخصية هو نتنياهو؟ ومن هنا نبدأ.

سنبدأ من «مستر أمن»... فهل صحيح أن نتنياهو قد حقق الأمن لدولة الاحتلال؟

وهل فشل كل الزعماء الإسرائيليين في تحقيق امن الدولة ونجح هو حيث فشلوا؟

الحقيقة الساطعة هو أن كل هؤلاء وفق معطيات الواقع والظروف عملوا على تحقيق هذا الأمر، ولم يفشلوا تماماً، والوحيد الذي فشل حتى الآن هو نتنياهو.

ولا يستطيع نتنياهو إلا جزئياً التفاخر بالإنجازات الاقتصادية لأن جزءاً كبيراً من قاعدة هذه الإنجازات تعود لسنوات طويلة من تشابك الاقتصاد الإسرائيلي مع الاقتصاد الأميركي وخصوصاً في مجال الصناعات العسكرية والأمنية، وكذلك لطبيعة تشابك الاقتصاد الإسرائيلي مع الاقتصاديات الأوروبية ضمن اتفاقيات شراكة وشروط تفضيلية لصالح الاقتصاد الإسرائيلي. وهي كلها وجميعها أسبق على ولاية نتنياهو وليس له فضل خاص إلا في تسويق الفضل فيها بإرجاعه إلى قائمة إنجازاته.

فبماذا يتميز نتنياهو عن غيره من القادة والزعماء الإسرائيليين؟

أول ميزة كما أرى، أن نتنياهو امتلك مشروعاً خطط له بعناية، وكانت اتفاقيات أوسلو هي محطة انطلاق هذا المشروع.

لم يُفصح عن مكنونات هذا المشروع دفعة واحدة، ولكنه لم يُخفِ توجهاته أيضاً. وقد استخدم مواهبه السياسية، وهي مواهب حقيقية وبارزة في جسر الهوة بين المكنونات وبلورة التوجهات في مشاريع وخطط محددة وملموسة.

وثاني هذه الميزات أن خبرته السياسية التي اكتسبها من خلال عمله في الأمم المتحدة، ومن خلال عمله الدبلوماسي في الولايات المتحدة جعلت منه شخصية مؤثرة للغاية، وذلك لأنه من خلال هذه الخبرة بنى شبكة أو عزز منها بصورة نوعية جديدة من العلاقات التي تبيّن لاحقاً بأنها من أهم إنجازاته، ومن اكثرها مكانة في تاريخ العلاقات الأميركية الإسرائيلية.

وهي فرصة لم تتوفر لأي من القيادات الإسرائيلية الأخرى.

والميزة الثالثة هي أن نتنياهو قد دمج في بوتقة واحدة بين مكونات ثلاثة في عملية متكاملة واحدة.

هنا نتحدث عن فهمه لأهمية الإعلام، وهو من هذه الزاوية بذل مجهودات كبيرة ونجح فيها بصورة بارزة وخاصة، والعلاقات العامة، وهنا أيضاً أظهر مواهب لا بد من الاعتراف بها، بتجيير كليهما «الإعلام والعلاقات العامة» في بناء وتوطيد أهميته «هو» وخلق الانطباع لدى جمهور واسع بصفته الوحيد القادر والذي استطاع القيام بذلك.

وفي زمن الإعلام والعلاقات العامة وتعزيز وتشبيك هذه العلاقات تتولد انطباعات عالية عن شخصية موهوبة ومقتدرة، وخصوصاً إذا ترافقت كل هذه الصفات والمواصفات واقترنت بالقدرات الخاصة في إتقان ألاعيب السياسة وفهلوتها وبهلوانياتها، وهو هنا أيضاً اثبت انه يمتلك «مواهب» لا تتوفر لدى معظم حلفائه أو مناوئيه أو خصومه أو منافسيه.

أما الميزة الثالثة فهي قناعاته الفكرية العميقة، وتطرفه المتأصل في ثقافته التلمودية بالرغم من كل محاولاته بإضفاء مسحات «علمانية» على شخصيته السياسية، أو الإيحاء بأنه مخلص للفكر الليبرالي في حين أن طموحاته بالانقلاب على هذا الفكر كانت أكبر من قدرته على إخفائها.

وما يميز نتنياهو أن قناعاته الفكرية قد اختلطت بصورة معينة وانصهرت كلها في تلفيقة واحدة.

الفرق بين نتنياهو والبقية هو أن من كان منهم ليبرالياً أو أيديولوجياً متعصباً كان الغالب في هذه المواصفة أو تلك.

فمثلاً مناحيم بيغن كان أيديولوجياً متعصباً ومتشدداً، وكذلك كان شامير، ولكنهما كانا أقرب إلى إيمان العجائز بالمقارنة مع نتنياهو.

وعندما أقدم نتنياهو على الانقلاب القضائي كان واثقاً من نجاح مشروعه الذي انطلق بسرعة خوفاً من أن ينجح «أوسلو» في خلق وقائع سياسية من شأنها الذهاب باتجاه القبول الإسرائيلي اللاحق بشكل من أشكال حق تقرير المصير، ومهما كان أقل من قيام دولة فلسطينية، إلا أنه كان على قناعة بأن مجرد وجود فكرة من هذا القبيل هي بذرة خطر وجودي على المشروع الصهيوني، وخطر داهم ودائم على كامل مشروع اليمين ومستقبله السياسي، وبذلك، وعلى أساس ذلك، استطاع أن يجمع ويُجمّع بعض قوى اليمين الديني والقومي ويُشكل سداً منيعاً في وجه كل قوى المعارضة التي رأت في هذا الانقلاب خطراً على الدولة والمشروع في آن معاً.

واستطاع في ظروف هي أقرب إلى المستحيل السياسي الإفلات حتى الآن من تبعات التهم التي كانت كفيلة بإسقاط أي زعيم أو قائد إسرائيلي.

نحن في الواقع أمام شخصية مراوغة يستخدم السياسة من أجل التمسك بالأيديولوجيا، ويستخدم الأيديولوجيا من أجل تماسك الحلف السياسي.

ونحن أمام رجل يُغدق الوعود، ولا يتمسك بالمواعيد، يماطل إلى درجة الابتزاز، ويخرج من الاستحقاقات بعشرات الوسائل التي تعيد كل من يبتزهم إلى دائرة جديدة من الوعود، وإلى حلقة أخرى من الابتزاز.

لا يوجد في تاريخ الدولة الصهيونية من استطاع القيام بانقلاب على هذه الدرجة من الجذرية وفي إحكام السيطرة على السلطة، وعلى شقلبة النظام السياسي، وعلى تحويل معظم مؤسسات الدولة إلى عِزبٍ سياسية، ثم الإفلات من تبعات عدة تهم كل واحدة منها كانت كفيلة بإرساله إلى السجن أو المساومة للخروج من الحياة السياسية كلها. ولا يوجد الآن في إسرائيل من هو قادر على المثابرة كما يثابر هو، وعلى الإصرار على نهجه كما يُصر هو، أو يوحي للجمهور بالثقة كما يفعل هو، أو من هو قادر على التلاعب ببعض زعماء العالم كما تلاعب هو.

كما لا يوجد أي زعيم إسرائيلي قادر على الخداع كما خادع هو، ولا زعيم يمارس الكذب والديماغوجيا السياسية ويتفوق بها كما تفوق هو، كما لا يوجد من يمتلك جرأة الظهور بمظهر المنتصر في عز خيباته كما أظهر هو، ولا يوجد من يعبّر عن عنجهيته وغطرسته كما يعبّر هو.

والسؤال الآن: على ماذا يستند نتنياهو في كل هذه السياسات والممارسات، وعلى كل هذه البهلوانيات؟

وهل هو شخصية متهورة أم أنه يستند إلى قراءة في الواقع السياسي الإسرائيلي، وإلى معرفة عميقة بالسيكولوجيا الإسرائيلية، وعلى معرفة بنمط الوعي، ونمط الثقافة السائدة في المجتمع الإسرائيلي، وعلى معرفة تفصيلية بخصومه وأعدائه ومناصريه ومنافسيه، وعلى درجة احتياج حلفائه ومريديه، ونوع أزمات واحتياجات كل هؤلاء؟.

في المقال القادم، نعود إلى هذه الأسئلة، والى غيرها، وإلى ما سيطرأ منها.