ما لا يراه البعض في المسألة الحمساوية
نشر بتاريخ: 2026/09/25 (آخر تحديث: 2026/09/25 الساعة: 21:30)

لا وقت أدعى الى قراءة الفلسطينيين للتاريخ، من وقتنا هذا. والعبرة في تاريخ كل بلد ذي تنوّع، أن لا طرف يمكنه أن يُلغي طرفاً آخر. ففي كل محاولات الإلغاء، كان الفشل حصاد من أراد تغييب الطرف الآخر، وإهالة التراب عليه وكأنه لم يكن، لا سيما عندما يكون الطرفان ـ الراغب في الإلغاء والمرتجى إلغاؤه ـ في الفشل سِيّان!

في الإعلام المتقصي، نُشر اليوم أن نقاشاً صعباً يدور داخل حركة حماس، في لُجة "انتخابات" تهدف إلى اختيار رئيس للحركة. ومن خلال مفردات ما رَشَح، نتبين أن هناك محاولات لتكريس سياسات جديدة، تأخذ معطيات الواقع بعين الاعتبار. فالماضي دخل سجل التجربة وتاريخها، والحاضر مُزرٍ، ولا عنوان فلسطينياً يُعتد له ويُدعى للحضور في دوائر البت في مصير "الجزء المتاح لنا من الوطن" حسب تعبير صديقنا الشاعر الراحل أحمد دحبور. علما بأن الجزء الذي رآه دحبور متاحاً، لم يعد اليوم كما كان، متاحاً، بينما استحوذت عليه مشروعات مختلفة يقوم عليها أناس مختلفون.

في بلادنا فلسطين، ليست هناك وضعية طائفية معقدة كتلك التي كانت وما تزال في لبنان. المسيحيون الفلسطينيون وطنيون ولا يخالفون المسلمين في شيء باستثناء الاختلاف في الدين وأسماء دور العبادة. بينمت الوجدان الشعبي في الأصل مُوّحد.

في تاريخ لبنان، مَرَّ رجل يُدعى صادق حمزة، أطلق مقاومة ضارية ضد الفرنسيين الذين احتلوا بلاده، بُعيد الحرب العالمية الأولى. وفي اندفاعته تلك، ترصدّ حركة الجنرال "غورو" عندما تحرك إلى القنيطرة، وكانت لـ "غورو" يد ىصناعية تلقت الرصاصات وحمته من الموت. ضُبط صادق حمزة وأعدم في ريعان شبابه، ولولا أن سائحة فرنسية رأته ذات يوم مع زميل له، واندهشت من لباسهما والزيّ العربي، فالتقطت لهما صورة؛ ولولا تلك الصورة، لم يكن سيُعرف رسمٌ لصابر حمزة. فالمراحل تُطوى، والمؤرح انتقائي، وموجات المقاومة تجيء وتذهب، ما بقيت أسبابها.

معطيات الواقع اليوم في غزة، تقول، إن موجة المقاومة الأخيرة، انطوت تاريخياً باعتبارها سمة مرحلة. وطالما أن لكل موجة ناسها وقاعدتها الاجتماعية، فلا أفق ولا مجال لشطب جزء من الناس والمجتمع، ناهيك عن كون العنوان لم يغب وربما لن يغيب بالمعنى الاجتماعي، وربما أيضاً ينحو الى نوع من التكيف مع معطيات الواقع.

تجربة حركة المقاومة، حدثت في زمن الصورة المتحركة والعرض الشامل، ولن تكون مآلاتها كمآلات صابر حمزة. فذلك الرجل، لا يستعيد ذكراه، في جزء من سرديتهم، إلا الذين أطلقوا مقاومة معاصرة، تخضع اليوم لضغوط شديدة، بعد استهداف ورحيل مؤسسيها وقادتها. وفي وضعية الاستهداف، أصبحت تُثار من جديد، في لبنان، المتعدد الطوائف، أسئلة النشأة الأولى والتكوين، وقد كانت تلك تدبيراً للجمع في رقعة منتزعة من الجغرافيا، بين مكونات مختلفة تتساكن ولا تندمج. ونحن في بلادنا ليس لدينا مثل هذا التعقيد.