تغير «حماس» بين مفهومين
نشر بتاريخ: 2026/09/08 (آخر تحديث: 2026/09/08 الساعة: 14:37)

عندما يدقق أي شخص حيادي أو موضوعي في نصوص المواثيق والممارسة الميدانية لحركة حماس، سيجد مسارين وبرنامجين وهدفين متعاكسين. ومع ذلك، تصر قوى ونخب وقيادات وشخصيات على اختراع قواسم مشتركة بالاستناد إلى كلام أعضاء مكتب سياسي لحركة حماس وبعض نصوص في وثائقها، أو في إعلانات القاهرة وموسكو وبكين التي حاولت إيجاد قواسم توفيقية.

ما هو مؤكد أن «حماس» ضد الحل الدولي وجوهره إيجاد دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، ولا يمكن الحديث عن دولة فلسطينية دون أو في مواجهة الحل الدولي. وهنا، نكون أمام سؤال، كيف يمكن التوفيق بين التحرير الكامل ودولة فلسطينية على جزء من الأراضي الفلسطينية 22%. هل تقبل دول العالم الكبرى ومن بينها الصين وروسيا التفسير القائل، إن حل الدولة الفلسطينية مرحلة ستليها مرحلة التحرير الكامل؟ وهل سيقبل المجتمع الإسرائيلي - الجزء المؤيد لحل الدولتين – القبول بحل مرحلي يؤدي ويعمل على هزيمة دولته لاحقا؟ لقد سبق لمنظمة التحرير أن استخدمت هذه الصيغة المواربة التي تضمر هدفا آخر في سبيل إقناع قاعدتها التنظيمية وبناء رأي عام مؤيد للحل. ولكنها اصطدمت بواقع يقول، إن هذه الصيغة تُبطل فكرة الحل من أساسها وتجعله غير قابل للتداول في المؤسسات الدولية، وتَشطب وجود تمثيل فلسطيني يتبنى الحل. واضطرت المنظمة إلى الانسجام التدريجي مع الحل الدولي وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة والاتحادات والمنظمات الدولية والإقليمية. ولهذا السبب، بقيت حاضرة ومعترفا بها وخاصة بعد انسجامها الكامل مع الحل المعبر عنه في وثيقة إعلان الاستقلال. إن تكرار المحاولة الفاشلة ذاتها وبنوع من التذاكي من «مريدي حماس» في اليسار وداخل قيادة «فتح» ومسؤولين في مراكز الدراسات، لا يحتمل إلا النكوص إلى ما قبل مأسسة العقلانية الفلسطينية الذي بدأ في دورة المجلس الوطني العاشر العام 74 في احسن الأحوال، والى تقديم الشرعية الفلسطينية على طبق من ذهب لحركة حماس التي ورطت الشعب الفلسطيني في مغامرة لا تزال تضع وجوده في مهب الريح، لتكون النتيجة شطب الشرعية وغرق الجميع.

ويمضي مسلسل تبييض «حماس»، فإلى جانب، الإشادة بقبول حل الدولة الفلسطينية وتجاهل المفهوم الذي يشطب القبول ويحوله إلى نقيض، وإلى جانب الإشادة بقبولها الدخول في منظمة التحرير «دون شروط» وتجاهل عقدها ونظامها واستحقاقات الدخول ودون ذكر مساعيها المحمومة للسيطرة على القرار والتمثيل. يمضي المبيضون في استعراض سياسات «حماس» التغييرية. فيقولون، وافقت حركة حماس على خطة ترامب بصورة تدريجية، ووافقت على النقاط الـ 15 – خارطة الطريق -، ووافقت على نزع سلاحها والتخلي عن السلطة والتحول إلى حزب سياسي، مقابل وقف حرب الإبادة وانسحاب القوات الإسرائيلية بصورة متزامنة وإعادة الإعمار. وهم بهذا، يعيدون رواية «حماس» حين زعمت بأن موافقتها على خطة ترامب كونها المخرج الوحيد لوقف حرب الإبادة. كي يصدق المواطن في قطاع غزة ما تقوله «حماس» والمدافعون عنها، عليهم الإجابة عن سؤال: لماذا لم تحرص قيادة حركة حماس على وقف حرب الإبادة خلال عامين كاملين وكانت تستطيع اختزال الخسائر البشرية والمادية والمعنوية إلى اقل القليل برعاية عربية ودولية وبموافقة جزء من المجتمع الإسرائيلي، كانت تستطيع نزع ذرائع حكومة نتنياهو الكهانية ووقف الحرب بشروط اقل من الشروط التي وافقت عليها. هذا الموضوع يحتاج إلى تحقيق وعودة إلى بيانات وتصريحات ومقابلات قيادة حركة حماس والناطقين باسمها منذ اليوم الأول من الطوفان يوم 7 أكتوبر وحتى وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. ما هو شائع في قطاع غزة ومتضمن في تقارير المنظمات الحقوقية، أن قيادة «حماس» افتقدت أي حساسية تجاه عذابات شعبها وأضافت إليها الشيء الكثير. وذلك من خلال الخلط بين وجودها العسكري والمدنيين، وتحويل نسبة من المساعدات الإنسانية لها ونسبة للتجار. هذا الموضوع شديد الحساسية بحاجة إلى تحقيق مسؤول ومستقل ولا يجوز السكوت عنه أو تبريره. إن تشكيل لجنة تحقيق مستقلة حول دور «حماس» ومختلف القوى في قرار الطوفان والنتائج الكارثية التي أفضت إليها حرب الإبادة مسألة ينبغي أن تتصدر الأجندة الفلسطينية الداخلية، لا سيما أن حكومة نتنياهو الكهانية تتعرض للمحاكمة من محكمتي العدل الدولية والمحكمة الجنائية، وفي الوقت الذي تطالب فيه المعارضة الإسرائيلية ومنظمات حقوقية إسرائيلية بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة حول المسؤولية الإسرائيلية عن هجوم 7 أكتوبر، بينما لا ينطق المدافعون عن «حماس» والمعارضون لها ببنت شفة عن اكبر وأخطر كارثة يتعرض لها الشعب الفلسطيني. وهذا خلل كبير يعكس غياب المدافعين عن مجتمعهم أثناء الحرب وبعدها، خلل يتيح لأي تنظيم أو مجموعة مسلحة أن تستبيح حياة ومصالح وحقوق وكرامة الناس، وان تستخدم موتهم وعيشهم وذلهم وكرامتهم كيفما تشاء. كل المجتمعات البشرية، كل السلطات الحاكمة يربطها بمجتمعها عقد اجتماعي وفي الحالة الفلسطينية عقد وطني اجتماعي وهو مضمن في الميثاق والقانون الأساسي والدستور المؤقت، وهو ما سيكون ناظما ومرجعا للجنة التحقيق المستقلة.

كم هو شاذ أن تعود «حماس» بعد وقف إطلاق النار مباشرة لإعادة فرض سيطرتها على المجتمع المحطم جراء حرب الإبادة، وتشرع بقمع أي رأي منتقد لطوفانها ولممارساتها، وتستخدم هجومها على المليشيات العميلة كغطاء لقمع وترهيب المواطنين. وواصلت سيطرتها على جزء من المعونات، وفرضت ضرائب ورسوما، واقتطعت نسبة من رواتب الموظفين، وجندت مقاتلين جددا وأعادت نشر قيادتها وعناصرها داخل التجمعات السكنية وما تبقى من مستشفيات التي باتت تستخدمها أيضا كمراكز للتحقيق ولإدارة أنشطتها. ليس هذا وحسب، بل اصبح شغلها الشاغل هو تشكيل اكبر تكتل للفصائل والمجموعات لخوض الانتخابات وإعادة بناء نظام فلسطيني على مقاسها، وقد قلبت صفحة الطوفان ونتائجه وتجاهلت ضرورة مساعدة المواطنين وإخراجهم من محنتهم. كل هذا حدث ويحدث ويحسب في ميزان «حماس» بأنها تتغير.

ويريد المتحمسون لـ»حماس» أن تنزع سلاحها مع احتفاظها بالحق في المقاومة، وبامتناعها عن إدانة المقاومة بأثر رجعي كما حدث في اتفاق أوسلو وملحقاته لأنه يعني التنازل عن الحقوق والثوابت. لم تكن المشكلة في حق أي شعب محتل بمقاومة الاحتلال كما ينص القانون الدولي. المشكلة في اختيار شكل النضال الذي ينتزع الحقوق، وفي تحديد الشكل الرئيس والأشكال الفرعية، وكان اختيار «حماس» خاطئا، والمشكلة في استهداف المدنيين بشكل قصدي ومنظم، وكل استهداف للمدنيين هو إرهاب وجريمة حرب، هذا الإرهاب الذي مارسته سابقا فصائل في منظمة التحرير ـــ الهجوم على الرياضيين في أولمبياد ميونخ وخطف الطائرات وضرب أهداف مدنية في الداخل والخارج وغير ذلك ـــ ودفعت ثمنه غاليا وأدانته قبل التفاوض مع أميركا وفي خطاب عرفات. أما «حماس» فلها باع طويل في ضرب الأهداف المدنية الإسرائيلية في ساحات المدن وفي الباصات والمطاعم وصولا إلى الحرم الجامعي كما جرى استهداف المدنيين في هجوم 7 أكتوبر كما تقول كل تقارير المنظمات الحقوقية الدولية. وكان الشيخ القرضاوي قد أفتى بجواز العمليات الاستشهادية من الدوحة وعبر فضائية الجزيرة لتحقيق ما سماه توازن الرعب. هذا الشكل يسمى بكل المقاييس إرهابا ولا يبرره إرهاب الدولة الإسرائيلية الذي جسدته في حرب الإبادة بأبشع صوره وأكثرها توحشا.