حين يصبح الرصيد الشعبي أقوى من الإقصاء
نشر بتاريخ: 2026/08/21 (آخر تحديث: 2026/08/21 الساعة: 20:29)

في الحياة السياسية، قد ينجح الإقصاء في إبعاد شخصية عن موقع رسمي، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يمحو حضورها من ذاكرة الناس أو يلغي ما راكمته من علاقات وتجارب ومواقف. ومن هذا المنطلق، فإن ما تعرض له النائب محمد دحلان خلال السنوات الماضية لحملات من التشويه والتخوين والإقصاء لم تُنهِ حضوره السياسي، بل ساهمت، في ترسيخ حضوره لدى قطاعات مختلفة من الشارع الفلسطيني.

وبعيداً عن الخلافات السياسية والتنظيمية التي رافقت مسيرته، يبقى المعيار الأهم بالنسبة للكثير من أبناء الشعب الفلسطيني هو ما يمكن لأي شخصية سياسية أن تقدمه في أصعب الظروف، وخاصة في ظل الحرب والدمار والأزمة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون. وفي هذه المرحلة تحديدا، لم يعد المطلوب مجرد الخطابات والشعارات، وإنما القدرة على التحرك، وبناء العلاقات، وفتح القنوات السياسية والدبلوماسية، وتقديم الدعم الإنساني، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في المحافل المختلفة.

وهنا يمتلك دحلان، بحكم تجربته السياسية وعلاقاته الإقليمية والدولية، أدوات يمكن توظيفها لخدمة القضية الفلسطينية، خصوصا في الملفات الإنسانية والسياسية. فإن هذه الخبرة والعلاقات يمكن أن تشكل رصيدا مهما في مواجهة تداعيات الحرب، والمساهمة في تخفيف معاناة الفلسطينيين، والدفع باتجاه حضور فلسطيني أكثر تأثيراً على المستوى العربي والدولي.

إن المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني تفرض على الجميع إعادة النظر في مفهوم العمل الوطني. فالقضية الفلسطينية أكبر من الأشخاص والفصائل والخلافات الداخلية، وما يحتاجه الشعب اليوم هو تكامل الجهود والاستفادة من كل الطاقات والخبرات القادرة على خدمته. كما أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تخوين أو إلغاء أو إقصاء، لأن تعدد الآراء والخبرات يمكن أن يكون مصدر قوة إذا وُضع في إطار المصلحة الوطنية.

وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول محمد دحلان ودوره السياسي، وقد تكون هناك مواقف مؤيدة أو معارضة له، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن المرحلة الفلسطينية الراهنة تحتاج إلى شخصيات تمتلك الخبرة والقدرة على التواصل والحركة وبناء العلاقات. وإذا استطاعت هذه القدرات أن تُوظف في خدمة الإنسان الفلسطيني، والدفاع عن حقوقه، والمساهمة في استعادة كرامته وتخفيف معاناته، فإن المصلحة الوطنية يجب أن تكون هي المعيار الأول والأخير.

ففي زمن الأزمات الكبرى، لا تُقاس قيمة السياسي فقط بموقعه الرسمي، وإنما بما يستطيع أن يقدمه لشعبه، وبقدرته على تحويل علاقاته وخبرته إلى خطوات عملية تخدم القضية الفلسطينية وتحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني.