الشراكة الوطنية الفلسطينية.. فرصة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية أم مخاطرة انتخابية؟
نشر بتاريخ: 2026/08/20 (آخر تحديث: 2026/08/20 الساعة: 17:19)

تتأرجح فكرة الشراكة الوطنية الفلسطينية بين الرفض والقبول، في ظل حراك سياسي متسارع وحديث متزايد عن تحالفات وطنية وانتخابية جديدة. لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بصندوق الانتخابات وحده، بل بمستقبل القرار الفلسطيني: هل الشراكة مجرد حساب انتخابي عابر، أم أنها رؤية أوسع عنوانها وحدة القرار الفلسطيني، ووقف الحرب والتهجير، وترميم البيت الوطني؟

وفي هذا السياق، يمكن قراءة توجه محمد دحلان، قائد تيار الإصلاح الديمقراطي، نحو رسم خارطة للتوافق والتحالف الفلسطيني باعتباره محاولة لفتح مسار سياسي يتجاوز جراح الماضي، ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات التنظيمية. فالجرح القديم لم يلتئم، والذاكرة الفلسطينية ما زالت مثقلة بالألم، لكن الأوطان لا تُبنى بالخصومة الدائمة، وأحيانًا يكون المطلوب أن نعضّ على جراحنا من أجل فلسطين.

ولا يجوز أن تبقى الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، أسيرة العناد السياسي، إذا كان استمرار الانقسام يقود إلى كارثة وطنية أكبر. ففكرة الاحتواء، رغم الألم والجراح، قد تكون محاولة لإنقاذ ما تبقى من الإنسان والقضية، وفتح الطريق أمام صيغة وطنية جديدة.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حضورًا: هل التحالف مع حماس مكسب لها، أم مكسب للتيار الإصلاحي الديمقراطي، أم أن المكسب الحقيقي يجب أن يكون للقرار الفلسطيني القادم؟

فإذا بقي التحالف مجرد صفقة انتخابية، فقد يحقق مكاسب مؤقتة لأطرافه، أما إذا تحول إلى جبهة إنقاذ وطني تجمع العقل والعاطفة، وتعيد ترتيب البيت الفلسطيني، فقد يصبح مكسبًا للمشروع الوطني كله.

وكان بإمكان دحلان أن يخوض العمل السياسي من خلال أبناء التيار وجماهيره، وحتى من خلال المؤيدين له من خارج أطره التنظيمية، لكن المصلحة الوطنية قد تفرض تحالفات أوسع، تتكئ على الكفاءات السياسية والأكاديمية والإعلامية والمجتمعية، وتشارك في رسم خارطة المستقبل.

وهنا تظهر فرص التحالف ومخاطره. فمن جهة، يمكن لأي تحالف مع جهة سياسية وازنة أن يوسّع القاعدة الانتخابية، ويجمع كتلتين لهما حضور تنظيمي واجتماعي، ويكسر الاستقطاب التقليدي، إذا قُدِّم باعتباره صيغة وطنية تتجاوز الانقسام، وتعمل على إعادة بناء النظام السياسي، وحماية غزة، واستعادة الاعتبار للمؤسسات.

وفي المقابل، قد يُغيب التحالف هوية التيار، ويظهره تابعًا لا شريكًا، ويحمله كلفة أخطاء الحليف. كما أن جزءًا من قاعدته الانتخابية قد يكون اختاره باعتباره بديلًا عن ثنائية فتح وحماس، ما يجعل التحالف غير المدروس سببًا في خسارة جزء من هذا الرصيد.

وهناك ملفات أكثر تعقيدًا، منها المرجعية الوطنية، والبرنامج السياسي، وإدارة الأزمة في غزة، وشكل النظام السياسي، وإعادة بناء منظمة التحرير، وردود الفعل الإقليمية والدولية. لذلك فإن التحالف الحقيقي لا يُبنى على توزيع المقاعد، بل على وضوح البرنامج والمرجعية وآليات اتخاذ القرار.

وهنا يصبح السؤال الحاسم: هل يستطيع التيار أن يدخل التحالف محتفظًا بهويته وبرنامجه واستقلالية قراره، ويخرج منه أكبر سياسيًا مما دخل؟

إذا كانت الإجابة نعم، فقد يكون التحالف فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الخريطة السياسية الفلسطينية. أما إذا دخل التيار دون حسابات واضحة ودقيقة، فقد يكسب الحليف إضافة انتخابية، بينما يخسر التيار جزءًا من هويته ورصيده السياسي.

والأهم أن يتحول تيار الإصلاح الديمقراطي إلى «جسر سياسي» بين مكونات الساحة الفلسطينية، وليس مجرد شريك انتخابي؛ جسرًا يساعد على تجاوز الانقسام الذي أنهك الحالة الفلسطينية منذ عام 2007، ويفتح الطريق أمام شراكة وطنية أوسع.

فالمعركة الحقيقية ليست: من يتحالف مع من؟ بل: أي فلسطين نريد أن نبني بعد الحرب؟ ومن يملك القدرة على تحويل الشراكة من اتفاق انتخابي مؤقت إلى مشروع وطني دائم؟

إن فلسطين لا تحتاج إلى تحالفات تُضاف إلى دفتر الانتخابات، بقدر حاجتها إلى تحالفات تُضاف إلى مشروعها الوطني. والمطلوب ليس أن يتنازل طرف عن هويته، ولا أن يبتلع طرفٌ آخر، بل أن يجتمع الجميع حول قواسم وطنية واضحة: وحدة القرار الفلسطيني، حماية الإنسان والأرض، إنهاء الانقسام، إعادة بناء المؤسسات، وترميم البيت الفلسطيني على قاعدة الشراكة لا الإقصاء.

فالتحالف الذي يحفظ هوية أطرافه، ويعزز استقلالية قرارها، ويخدم القرار الفلسطيني القادم، يمكن أن يصنع التاريخ. أما التحالف الذي يتحول إلى مجرد تبادل للمكاسب الانتخابية، فقد يربح صندوق الانتخابات ويخسر الوطن فرصة جديدة.

وهنا تكمن قيمة الشراكة الوطنية: أن يكون مكسبها الأول والأخير فلسطين؛ لا حماس وحدها، ولا التيار وحده، ولا أي فصيل بمفرده، بل قرار فلسطيني جامع قادر على صناعة المستقبل، وإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة، وإنهاء زمن الانقسام الذي دفع شعبنا ثمنه غاليًا.