حول مشاركة «حماس» في الانتخابات
نشر بتاريخ: 2026/08/19 (آخر تحديث: 2026/08/19 الساعة: 16:10)

أكدت حماس أنها ستشارك في الانتخابات القادمة (تشرين الثاني) ودعت جمهورها لتجديد بياناتهم في السجل الانتخابي.. وهنا انقسم الشارع بين من يقول: هذا حقها، ومن واجب السلطة إتاحة المجال لها، وإن الديمقراطية تقتضي مشاركة الجميع، والوحدة الوطنية تتطلب عدم إقصاء أي طرف.. مقابل من يقول إن حماس جلبت نكبة للشعب الفلسطيني، وتسببت مغامرتها في دمار غزة واحتلالها، ومن الواجب محاكمة قادتها، ومن أوجد الانقسام، وتسبب بكل هذا الخراب، لا مكافأتهم وإعادتهم للسلطة مرة ثانية ليجلبوا نكبة جديدة.

وهنا أود تسجيل الملاحظات الآتية:

أولاً: من وجهة نظري الشخصية سأنحاز للرأي الثاني، وما زلت مقتنعا بأن حماس ليست حركة وطنية فلسطينية، بقدر ما هي امتداد تنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، تسيطر على بقعة جغرافية تمثل آخر تطبيق لأيديولوجية الإخوان، وهي منخرطة في لعبة المحاور الإقليمية بما يتعارض مع المصلحة الوطنية، متقلبة بين ولائها لإيران، أو لتركيا أو لقطر، وتنفذ أجنداتهم على حساب غزة، بل إنها قدمت أوراق اعتمادها مرة لواشنطن (تصريحات خالد مشعل)، ومرة لحماية المستوطنات (تصريحات أبو مرزوق)، وأنها رفضت تسليم القطاع للسلطة الوطنية، وقبلت بتسليمه للوصاية الدولية ولمشروع ترامب.. فضلاً عن خطابها المتعالي فوق جراح الغزيين، والمنفصل عن الواقع.. هذا موقفي الشخصي الذي عبرت عنه بالتحليل والأدلة في كتابين: «بورتوريه لحماس 2017»، و»طوفان الأقصى 2026»، ولا ألزم أحداً برأيي، ولا أنزع الوطنية عن أحد.. من هو مقتنع بغير ذلك فليتفضل وينتخب حماس أو حلفاءها.

ثانياً: في أول انتخابات رئاسية وتشريعية 1996 أصدرت حماس بياناً دعت فيه لمقاطعة الانتخابات، واعتبرتها من مخرجات أوسلو السيئة التي تكرس الاحتلال.. بعد عشر سنوات وبعد انسحاب إسرائيل من القطاع واستشعار حماس قوتها الجماهيرية دخلت الانتخابات، وما كان محرماً صار واجباً وطنياً! ثم حكمت قطاع غزة بصورة منفردة منذ 2007، وطوال هذه الفترة لم تجرِ أي انتخابات، ومنعت انتخابات البلديات والجامعات والنقابات، وظلت تماطل وتضع الشروط في موضوع السجل الانتخابي لتعطيل تنظيم الانتخابات التشريعية.. اليوم، وعلى ضوء النتائج الكارثية للحرب، هل تنبهت لأهمية الانتخابات؟ أم ستتخذ منها وسيلة للعودة إلى الميدان؟

ثالثاً: وضعت السلطة شرطاً للترشح: الاعتراف بمنظمة التحرير والقبول بقرارات الشرعية الدولية.. معتقدة أنها بذلك ستتجنب معضلة صعود قوى سياسية غير مقبولة دولياً، لتفادي إعادة الحصار وتكرار ما حصل في انتخابات 2006.. وطالما أن حماس ستشارك في الانتخابات فهذا يعني قبولها هذه الشروط، وبالتالي هل نحن أمام حماس التي عرفناها ببرنامجها وشعاراتها وسياساتها؟ أم أمام حماس جديدة بنسخة مطورة متكيفة مع قواعد اللعبة الدولية، ومتخلية عن معظم أيديولوجيتها السابقة؟ سنحصل على إجابات واضحة عندما تعلن عن قائمتها وبرنامجها.

رابعاً: دستورياً لا يحق للسلطة منع أي جهة من الترشح للانتخابات طالما استوفت الشروط القانونية، وبالتالي إذا تكيفت حماس مع هذه الشروط من حقها المشاركة في الانتخابات والانخراط في الحياة السياسية.. وطالما ارتضينا الديمقراطية.. وهنا تثور عدة أسئلة: هل شعبنا جاهز للديمقراطية، ومتفهم لها؟ الديمقراطية ليس باختزالها في صندوق الانتخابات، بل بوصفها برنامجاً متكاملاً يشمل المعارضة والتعددية والاختلاف وتقبل الآخر.. هل اتعظنا من تجربة 2006؟

هل منا من يرغب بنسخ تجربة غزة، وتدمير الضفة؟ هل شعارات «الإسلام هو الحل»، و»التغيير والإصلاح» التي وعدت بها حماس في 2006 ما زالت صالحة للاستهلاك؟ هل تقنع أحداً بعد كل ما جري ويجري؟ هل من الضروري تجربة ما هو مجرب؟

خامساً: عماد برنامج حماس ومبرر وجودها وأهم شعاراتها التي بناء عليها حظيت بهذه الجماهيرية: «المقاومة»، أي مقارعة الاحتلال بالمواجهات العسكرية والكفاح المسلح (صواريخ، أنفاق، قاذفات، كتائب وألوية عسكرية..).. على ضوء السنوات الثلاث الأخيرة هل يمكن الاستمرار بهذا النهج؟ الإجابة القاطعة لا.. ليس رفضاً للعنف المسلح، بل لأن خيار المواجهة المسلحة وصل خاتمته بطريق مسدود بحيث صار متعذراً (لأسباب سياسية وجغرافية ولوجستية عديدة)، ولأن هذا الخيار ثبت فشله في حرب الإبادة، وتأكيداً على ذلك منذ سنة كاملة الاحتلال موجود مباشرة في القطاع، وقد قتل نحو 1200 فلسطيني منهم قادة بارزون في القسام، ومع ذلك لم تطلق حماس طلقة واحدة، لم تنفذ أي عملية، بل إنها وافقت على تسليم سلاحها.. ليس هذا وحسب فقد كانت النتيجة الأخطر من حرب الإبادة أن خيار المقاومة بحد ذاته (خاصة في غزة) صار مستبعداً ومتعذراً أكثر من أي وقت سابق، صار عبئاً لا يمكن تحمله.. السؤال هنا: طالما أن حماس لم تعد قادرة على ممارسة المقاومة، وستسلم سلاحها، ماذا سيكون عماد أيديولوجيتها القادمة؟

وكيف ستواصل المقاومة المسلحة؟ أم ستعتمد المقاومة السلمية (التي طالما سخرت منها)؟ أم ستجرب حظها في أكتوبر جديد ومغامرة جديدة؟

سأنهي باقتباس من بعض ما كتبه د. تيسير عبد الله المقيم في غزة: «البعض يقول على الرغم من كل الذي جرى في غزة، إسرائيل تعاني من عزلة. والمقاومة انتصرت..

أنا ليس لدي مشكلة إن كنت ترى الاحتلال يعاني من عزلة وأن المقاومة انتصرت.. ولكن لدي ألف اعتراض، وسأصنفك مباشرة ضمن أعدائي حين تقول: «على الرغم من كل الذي حدث في غزة..»، وكأنّ ملف غزة انتهى.. في هذا الطرح اختزال فاضح وإهانة شديدة لدماء الغزيين... الذي جرى في غزة لم يكن طبخة فاصوليا انحرقت وتخلصنا منها.. ما جرى في غزة لم ينتهِ بعد. ولا يزال جرحاً مفتوحاً، ينزف دماً إلى الآن دون توقف.. ما جرى في غزة يحتاج محاسبات ومراجعات..

ما جرى في غزة أمهات ما زلن يبحثن عن أبنائهن.. أطفال بُترت أطرافهم يبحثون عن أمل أو علاج، شبان ضائعون في الشوارع، يتامى، ثكالى، أرامل، جوعى، مرضى، مفقودون تحت الردم، معتقلون يموتون جوعاً وذلاً، بقايا جثث مجهولة الهوية.

مئات الآلاف يشوون في لهيب الخيام، حياة مشلولة، مدن كاملة مسحت عن وجه الأرض، آلاف القصص التي لم تروَ بعد.

ما جرى في غزة ليس صفحة وطويت. ما جرى هو نقطة البداية التي لا يمكن تجاوزها في أي تحليل، أو برنامج انتخابي.

من يرى أن ما جرى ويجري في غزة يمكن اختصاره بكلمتين في بودكاست أو دعاية انتخابية فهو مجرم متطفل على دمائنا، لم يشعر يوماً بنا. ولم يكن يوماً منا».