المخيمجي والسفيرة..
نشر بتاريخ: 2026/08/03 (آخر تحديث: 2026/08/04 الساعة: 01:06)

في صيف عام 1996 كنت أحد خمسة شباب فلسطينيين تم اختيارهم في فعالية لوزارة الخارجية النرويجية للمشاركة في برنامج للسلام، ويتضمن دورة في الإعلام والاتصال بجامعة أوسلو. كنا اثنين من غزة وثلاثة من الضفة الغربية. لم أكن أعرف أحدًا منهم، وكنت أظن أنني ذاهب إلى برنامج أكاديمي. لكنني اكتشفت، بعد وصولي متأخرًا، أنني كنت ذاهبًا إلى درس عملي في التطبيع.

كان البرنامج قد أعدّ بعناية؛ خمسة شباب فلسطينيين يقابلهم خمسة إسرائيليين، ولكل فلسطيني "شريك سلام" إسرائيلي، حتى غرف السكن الجامعي كانت جزءًا من المنهج. وعندما أخبروني في مكتب الاستقبال أن زميلي في الغرفة إسرائيلي، اعتذرت بأدب أولًا، ثم رفضت بحزم، ثم تحولت المسألة إلى معركة صغيرة انتهت باستبداله بشاب ألماني، بعد أن أدركوا أنني لن أوقع على هذا الدرس الإجباري في التعايش.

في صباح اليوم التالي تعرّفت إلى أفراد الفريق الفلسطيني. الذين تورطوا جميعا في شركائهم الاسرائيليين، أكثر من شدني كان المناضل الراحل كفاح العويوي، الذي أصبح لاحقًا أمين سر إقليم فتح في الخليل. كان رجلًا يشبه فلسطين؛ بسيطًا، صادقًا، لا يحتاج إلى استعراض وطني ليقنعك بأنه ابن القضية. كنا نشبه بعضنا، ومن خلفية متقاربة، من نضال الانتفاضة الاولى لتجربة السجون، لقيادة الحركة الطلابية، كان يردد ضاحكًا: "إحنا والغزازوة قطع غيار لبعض." وكانت جملة تختصر ما عجزت عنه خطابات كثيرة.

أما هي... فكانت شيئًا آخر.

كانت فتاة تبدو وكأنها وصلت إلى البرنامج بالخطأ، أو ربما وصلنا نحن بالخطأ إلى عالمها. لم يكن في لغتها أو سلوكها أو نظرتها ما يوحي بأنها ابنة شعب يعيش تحت الاحتلال. كانت تتحرك بثقة أرستقراطية باردة، كانت ترى في نشاطنا السياسي حالة من اللوث العقلي، ومجرد شابين ساذجين، وفلسطين لا تعني لها وطنا يدفع الناس أعمارهم ثمنًا له.

أنا وكفاح نشرنا في صحيفة نرويجية موقفنا الرافض للبرنامج، وقلنا بوضوح إن السلام الذي يبدأ بتقاسم الغرف مع المحتل ليس سلامًا، وإن التطبيع لا يصبح مشروعًا أخلاقيًا لأن قاعته في جامعة أوروبية.

أما هي، فلم يكن الأمر أهم عندها من سيجارة المارلبورو الأبيض الذي كانت تدخنه.

وفي إحدى الأمسيات طُلب مني أن ألقي كلمة أمام نخبة من المجتمع النرويجي. كتبت كلمتي أولا بالعربية، واستخدمت فيها كل ثقافة الثورة التي افهمها والسجون والنضال الطلابي واستشهدت فيها بروح الحرية التي التقطتها من "هنريك إبسن" النرويجي في روايته "بيت الدمية". كانت الإنجليزية آنذاك تخونني، فطلبت من تلك الفتاة أن تساعدني في ترجمة الكلمة نظرا لأنها خريجة مدارس خاصة مدفوعة من جيب البابا والماما.

امسكت الصبية ورقتي التي كتبتها بخط يدي، ثم قرأت بضعة أسطر، ثم رفعت رأسها ونظرت إليّ بتلك النظرة التي لا يمكن ان أنساها؛ مزيج من التعالي والبلاهة، قبل أن تقول بلهجة لا تزال ترن في أذني: "من وين جبت هالكلام؟". كأنها كانت تقول: من أين أتى هذا المخيمجي خريج مدارس الوكالة بهذا الوعي.

لم يكن سؤالها عن المصدر. كان سؤالًا عن الاستغراب؛ كأنها اكتشفت، للمرة الأولى، أن في غزة من يقرأ، وأن المخيم يستطيع أن ينتج فكرة، وأن الوطنية ليست حكرًا على أبناء الصالونات.

ابتسمت يومها، وأخذت أوراقي ومضيت. وهي ذهبت لتبل جوفها بعلبة بيرة باردة.

ومضت السنوات.

قبل اعوام بسيطة، بينما كنت أتصفح الأخبار، توقفت عند اسم بدا مألوفًا. قرأته مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، حتى أتأكد أن ذاكرتي لم تخنّي.

كان الخبر يقول إن تلك (الصبية المستهترة نفسها التي عرفتها في اوسلو) قد سلّمت أوراق تعيينها سفيرةً لدولة فلسطين في إحدى الدول الأوروبية الكبرى.

ضحكت. بمرارة، وخذلان، وقهر.

ليس لأنها أصبحت سفيرة، بل لأن الخبر أجاب عن أسئلة كثيرة ظلت معلقة في ذهني منذ ذلك الصيف البعيد.

فهمت فجأة أن الدبلوماسية الفلسطينية ليست دائمًا المكان الذي تصل إليه أفضل العقول، بل كثيرًا ما تكون المكان الذي تصل إليه أفضل علاقات القرابة.

وفهمت أيضًا لماذا يقف عشرات الأكاديميين والباحثين وأصحاب الكفاءة خارج أبواب السفارات، بينما تعبرها أسماء لم يكن الوطن يومًا أثقل ما حملته.

حينها فقط أدركت أن الفساد في بعض مؤسساتنا لا يختبئ في الأدراج، بل يجلس مطمئنًا على المقاعد الدبلوماسية، يوزع الابتسامات، ويرفع الأنخاب باسم فلسطين، بينما يدفن، بصمتٍ بارد، كفاءات الفلسطينيين- خاصة الغزيين منهم - تحت أختام التعيين.