*الفلسطينيون بين طوفانين… كيف ابتلع طوفان السياسة طوفان الميدان؟*
نشر بتاريخ: 2026/07/18 (آخر تحديث: 2026/07/18 الساعة: 17:41)

بين «طوفان» عهد محمود عباس و«طوفان الأقصى»… لماذا كانت الخسارة واحدة؟

لم يكن الفلسطينيون بحاجة إلى طوفان جديد بقدر حاجتهم إلى بوصلة. فمنذ ما يقارب العقدين، عاش الفلسطينيون في ظل ما يمكن وصفه بـ”طوفان السياسة” الذي ارتبط بعهد الرئيس محمود عباس، حيث غرق المشروع الوطني تدريجياً في مستنقع الجمود، قبل أن يجرفه “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى مرحلة أكثر خطورة، عنوانها الحرب الشاملة والانهيار غير المسبوق.

ورغم التناقض الظاهري بين المسارين، فإن النتيجة النهائية بدت واحدة: تراجع القضية الفلسطينية، وتآكل المشروع الوطني، وانقسام الفلسطينيين أكثر من أي وقت مضى.

ليست المقارنة هنا بين رجل وحركة، ولا بين سلطة ومقاومة، بل بين مرحلتين اعتقد كل منهما أنه يملك مفتاح الخلاص، فإذا به يقود الفلسطينيين إلى مأزق تاريخي مختلف الأدوات، لكنه متشابه النتائج.

الطوفان الأول… حين ابتلعت السلطة المشروع

بعد رحيل ياسر عرفات، دخل الفلسطينيون مرحلة جديدة قوامها الرهان على الدبلوماسية والتفاوض باعتبارهما الطريق الوحيد لإنهاء الاحتلال.

تحولت السلطة الفلسطينية تدريجياً من مشروع يفترض أن يكون خطوة انتقالية نحو الدولة إلى غاية بحد ذاتها. أصبح الحفاظ على المؤسسات، والرواتب، والتنسيق الأمني، والاعتراف الدولي، أولويات يومية، بينما تراجع المشروع التحرري إلى الخلف.

ومع مرور السنوات، لم تعد المشكلة في فشل المفاوضات فحسب، بل في غياب أي بديل سياسي حقيقي. فقد جُمّدت مؤسسات منظمة التحرير، وتعطلت الانتخابات، وتكرس الانقسام، وغابت عملية إنتاج قيادة جديدة تمتلك شرعية سياسية وشعبية.

وهكذا وجد الفلسطيني نفسه أمام سلطة لا تستطيع تحقيق الدولة، ولا تملك أدوات المقاومة، ولا تسمح بإعادة بناء النظام السياسي.

لقد كان ذلك “طوفاناً هادئاً”، لا تصاحبه أصوات الصواريخ، لكنه استنزف الرصيد الوطني ببطء، وأنتج حالة من الفراغ السياسي غير المسبوق.

الطوفان الثاني… حين ابتلع الميدان السياسة

ثم جاء السابع من أكتوبر.

غيّر “طوفان الأقصى” قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي بعد سنوات من التهميش.

لكن الحرب التي أعقبت العملية تجاوزت حدود المواجهة العسكرية، لتتحول إلى واحدة من أكثر الحروب تدميراً في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

دُمّرت غزة بصورة غير مسبوقة، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا، وانهارت البنية التحتية، ونشأت أكبر موجة نزوح فلسطينية منذ عقود، بينما دخلت المنطقة بأسرها في مرحلة من عدم اليقين الاستراتيجي.

ورغم أن العملية كسرت فرضية الردع الإسرائيلي، فإنها فتحت أيضاً الباب أمام إعادة رسم خرائط القوة في الإقليم بطريقة قد لا تكون في صالح الفلسطينيين.

لقد نجح العمل العسكري في هز المشهد، لكنه لم يكن مقروناً برؤية سياسية جامعة لإدارة اليوم التالي، ولا بإجماع وطني يحدد شكل المكاسب الممكنة أو حدود الخسائر المقبولة.

بين الطوفانين… أزمة قيادة لا أزمة أدوات

المشكلة الفلسطينية اليوم ليست في الاختيار بين المفاوضات أو المقاومة.

فالوسيلتان، تاريخياً، كان يمكن أن تكونا جزءاً من استراتيجية وطنية واحدة.

لكن ما حدث أن السياسة انفصلت عن القوة، كما انفصلت القوة عن السياسة.

في عهد محمود عباس، أصبحت السياسة بلا أدوات ضغط.

وفي عهد “طوفان الأقصى”، ظهرت القوة العسكرية بلا مظلة سياسية موحدة.

وفي الحالتين، غاب العنصر الأكثر أهمية: المشروع الوطني الجامع.

إسرائيل ربحت الانقسام أكثر مما ربحت الحرب

لعل أخطر ما كشفته المرحلتان أن إسرائيل استطاعت استثمار الانقسام الفلسطيني أكثر من استثمار تفوقها العسكري.

فالانقسام بين غزة ورام الله، وبين السلطة وحماس، لم يعد مجرد خلاف داخلي، بل تحول إلى جزء من البيئة الاستراتيجية التي أدارت إسرائيل من خلالها الصراع طوال السنوات الماضية.

وفي الوقت الذي كانت فيه النخب الفلسطينية تتنازع على الشرعية، كانت إسرائيل تعيد تشكيل الوقائع على الأرض: توسع استيطاني في الضفة الغربية، إضعاف متواصل للسلطة، حصار طويل لغزة، ثم حرب مفتوحة أعادت تشكيل القطاع بالكامل.

المشروع الوطني… الضحية الكبرى

الخاسر الحقيقي لم يكن السلطة وحدها، ولا حماس وحدها.

الخاسر هو المشروع الوطني الفلسطيني نفسه.

فهذا المشروع قام تاريخياً على فكرة تمثيل الفلسطينيين جميعاً ضمن رؤية سياسية موحدة، لكنه اليوم يبدو أكثر تشتتاً من أي وقت مضى.

تراجعت منظمة التحرير عن دورها الجامع، ولم تستطع السلطة أن تتحول إلى دولة، ولم تتمكن المقاومة من التحول إلى مشروع وطني شامل يحظى بإجماع الفلسطينيين.

وأصبحت القضية الفلسطينية، للمرة الأولى منذ عقود، مهددة بأن تتحول من قضية تحرر وطني إلى أزمة إنسانية وإغاثية فقط، وهو التحول الأخطر على الوعي الدولي.

ما بعد الطوفان

الطوفانات بطبيعتها لا تبني أوطاناً؛ إنها تكشف هشاشتها.

وإذا كان “طوفان” عهد محمود عباس قد كشف حدود الرهان على السياسة المجردة من عناصر القوة، فإن “طوفان الأقصى” كشف بدوره حدود القوة حين تتحرك من دون مشروع سياسي جامع.

ولعل الدرس الأقسى للفلسطينيين اليوم أن القضية لا يمكن أن تُدار بعقلية السلطة وحدها، ولا بعقلية البندقية وحدها.

فالمشروع الوطني لا يولد من انتصار عسكري منفرد، ولا من مفاوضات مفتوحة بلا أفق، بل من قيادة تمتلك الشرعية، ورؤية استراتيجية، وقدرة على توحيد الشعب الفلسطيني بمختلف مكوناته، وربط أدوات النضال كافة ضمن هدف سياسي واضح.

لقد مر الفلسطينيون بطوفانين خلال أقل من عقدين. الأول أغرق السياسة في الركود، والثاني أغرق الأرض في الحرب. وبينهما بقي السؤال الذي لم يجد جواباً حتى الآن: من يعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني قبل أن يصبح هو نفسه أحد ضحايا التاريخ؟