قرار إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين الفرص والتهديد
نشر بتاريخ: 2026/07/13 (آخر تحديث: 2026/07/13 الساعة: 23:57)

يتساءل الباحثون والمهتمون بالشأن السياسي الفلسطيني عن مدى انسجام الدعوة إلى إجراء الانتخابات التشريعية مع الواقع السياسي الراهن، في ظل المتغيرات القائمة في قطاع غزة وظهور أجسام أو ترتيبات سياسية وإدارية جديدة يثار حولها كثير من الجدل. ويطرح هذا الواقع أسئلة مشروعة حول إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها، ومدى تأثير تلك المتغيرات على العملية الانتخابية ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

وفي إطار هذه التحديات، تبرز مجموعة من التساؤلات:

هل يمكن بالفعل إجراء الانتخابات في موعدها المعلن؟

وهل تتعارض الانتخابات مع أي ترتيبات سياسية أو إدارية يجري الحديث عنها في قطاع غزة؟

وهل تمتلك القيادة الفلسطينية إرادة سياسية حقيقية للمضي في الانتخابات دون تأجيل جديد؟

وتتكرر هذه الأسئلة في اللقاءات والندوات والنقاشات السياسية، غير أن السؤال الأكثر أهمية يبقى: هل الفلسطينيون اليوم جاهزون لخوض انتخابات في ظل الظروف الحالية؟ وهل تمثل هذه الانتخابات استحقاقًا وطنيًا طال انتظاره، أم أنها جاءت استجابة لضغوط خارجية، وفي مقدمتها المطالب الأوروبية بإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية؟

كما يثار تساؤل آخر لا يقل أهمية: لماذا جاء القرار بإجراء انتخابات تشريعية فقط، في حين أن القانون الأساسي الفلسطيني يقوم على مبدأ إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة؟

ورغم تعدد الاجتهادات وتباين المواقف، فإن القضية الأساسية تتمثل في كيفية تحويل هذه التحديات إلى فرصة تاريخية لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني، واستعادة الثقة بالنظام السياسي، وإعادة بناء الوحدة الوطنية.

فالانتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، إذا أمكن إجراؤها، تمثل تأكيدًا على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة الأرض، وترفض عمليًا أي تكريس للانقسام أو الانفصال الجغرافي، كما تعكس التمسك بوحدة التمثيل السياسي الفلسطيني.

لكن الواقع يفرض تحديات كبيرة، خاصة في قطاع غزة الذي تعرض لدمار هائل وخسائر بشرية وإنسانية غير مسبوقة. فهل يمتلك المواطن الغزي اليوم القدرة النفسية والاجتماعية للمشاركة في انتخابات، أم أن أولوياته أصبحت تتمثل في توفير المأوى والغذاء والعلاج والأمن؟

وهل ما زال المواطن يثق بالفصائل والقوى السياسية بعد سنوات من الانقسام، وما أعقب الحرب من معاناة قاسية؟ وهل أسهمت مظاهر الفساد والاستغلال وسرقة قوت الناس والتربح من الأزمات في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والقوى السياسية؟

وفي الضفة الغربية، تفرض اعتداءات المستوطنين، وما تشهده المدن والمخيمات من اقتحامات وإجراءات أمنية، تحديات إضافية قد تؤثر في نسب المشاركة وفي المزاج الانتخابي العام.

كما أن تباين مواقف المواطنين من السلطتين القائمتين في الضفة الغربية وقطاع غزة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية، أو ربما يعزز حالة الإحباط والعزوف عن المشاركة، وهو احتمال لا يمكن تجاهله.

ورغم هذه التحديات، فإن الفرصة ما تزال قائمة. فقد تكون الانتخابات مدخلًا لإطلاق مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة السياسية.

ومن هنا تبرز فكرة قائمة الإنقاذ الوطني؛ وهي قائمة وطنية موحدة تتوافق عليها مختلف القوى والفصائل، وتضم إلى جانبها المستقلين والكفاءات الوطنية والشباب والمرأة وممثلي القطاعات المختلفة، على أساس برنامج سياسي وطني جامع يضع في مقدمة أولوياته إنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات، وتعزيز صمود المواطنين، وإعادة إعمار قطاع غزة، واستعادة ثقة الشعب بقيادته ومؤسساته.

إن نجاح مثل هذه المبادرة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية الضيقة، إضافة إلى حشد الدعم العربي والدولي بما يخدم القرار الوطني الفلسطيني المستقل.

إن فلسطين اليوم بحاجة إلى مشروع يوحد أبناءها قبل أن ينافس بينهم، وإلى رؤية تعيد الأمل لشعب أنهكته الحروب والانقسام. وإذا ما أحسن الفلسطينيون استثمار هذه اللحظة التاريخية، فقد تتحول الانتخابات من مصدر قلق وتهديد إلى بوابة للإنقاذ الوطني واستعادة وحدة الوطن، وترسيخ حقيقة أن فلسطين أكبر من جميع الفصائل، وأن المشروع الوطني هو الجامع الذي لا يجوز التفريط به مهما اشتدت الأزمات.