التهجير الزاحف في القدس والضفة الغربية
نشر بتاريخ: 2026/06/24 (آخر تحديث: 2026/06/24 الساعة: 18:00)

صادقت الحكومة الإسرائيلية يوم 11-6-2026، وفق ما نقله موقع «أكسيوس»، على تخصيص 350 مليون دولار لتأسيس 61 مستوطنة جديدة في القدس والضفة الغربية، ومن أهداف هذه الخطوة تسريع البناء في عشرات المواقع بالمناطق الفلسطينية الحساسة، خاصة في مدينة الخليل وكل منطقة (ج) التي تمثل 61% من مساحة الضفة الغربية، وفي وادي الأردن أيضاً. هذه المصادقة جاءت بناء على توصية، بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، وجاءت نظير موافقة حزب سموتريتش على حل الحكومة.

علّقت أغنيس كالامار منسقة منظمة العفو الدولية (أمنستي) على القرار بالقول: «الهدف من رصد هذه الميزانية هو ضم الضفة الغربية لإسرائيل، هذه الانتهاكات ليست فردية، إنها تقع ضمن التطهير العرقي الذي تتبناه حكومة إسرائيل، فقد أُخليت مائة قرية في الضفة الغربية كلياً أو جزئياً، بين كانون الثاني 2023 ونيسان 2026، وسجلت 7280 حالة نزوح لفلسطينيين من بيوتهم».

وقالت حركة «السلام الآن» قبل أيام: «تخوض حكومة إسرائيل سباقاً محموماً قبل الانتخابات لنهب المال العام، هذا السباق يهدف لخلق واقع كارثي على الأرض للحكومة القادمة، رغم أن رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي حذر من تأسيس هذا العدد الكبير من المستوطنات، وأكد أنه سيضر بالأمن، ويدفع الجيش إلى حالة انهيار، يجب على الحكومة السعي لإيجاد حل سياسي لها، لكن الحكومة تسعى لإغراقنا في مستنقع الدم، إن الهدف هو السيطرة الكاملة على الضفة الغربية، مع تقليص المساحة للفلسطينيين».

هذه الحكومة تتعجل إصدار قوانين خاصة لجعل مهمة أي حكومة جديدة شبه مستحيلة، فهي قد أقرت يوم 31-5-2026 قانوناً يقضي بنقل مسؤولية المواقع الأثرية الفلسطينية من سلطة الإدارة المدنية أي من قرارات عسكرية مؤقتة إلى وزارة التراث الإسرائيلية، سيطبق القرار على آثار الضفة الغربية وقطاع غزة أيضاً، هذا القرار من أهم القرارات المجحفة بعد قرار ضم القدس الشرقية عام 1967.

من الأمثلة على خطة إسرائيل لتنفيذ التهجير الزاحف في القدس والضفة الغربية، قصة تهجير البدو الفلسطينيين في أبو ديس بالقدس، تحت ذريعة توسيع حي الجبل، وقد أرغمت بلديةُ القدس الإسرائيلية من سمّتهم إسرائيل (البدوَ)، أن يرحلوا إلى جوار مكب نفايات قرية أبو ديس، حيث تتكوّم ملايين أطنان النفايات في المكان.

أما عن تهجير الفلسطينيين سكان الخان الأحمر، فهم اليوم ينتظرون جيش سموتريتش وبن غفير، ليُرحَّلوا من الخان الأحمر، بعد أن كانوا في مركز صدارة النضال الفلسطيني السلمي، فقد أصدر سموتريتش أمراً بإخلاء كل سكان الخان الأحمر، رغم أن سكانها هُجِّروا من بيوتهم عام 1948، واستقروا بشرق القدس في ستينيات القرن الماضي وكانوا تحت حكم الأردن، ومنذ عام 1967 احتل الإسرائيليون الضفة الغربية، وطالبوهم بإخلاء الخان الأحمر، لأن الخان الأحمر يقع على شارع رقم (1) بالقرب من مستوطنة معاليه أدوميم، غير أن الرأي العام العالمي والمتضامنين من كل أنحاء العالم، أجبروا حكومات إسرائيل السابقة عدم تنفيذ أوامر الترحيل والهدم.

إن تفريغ الخان الأحمر من سكانه الفلسطينيين جزء من خطة سموتريتش للسيطرة على وسط الضفة الغربية، والحيلولة دون تأسيس حكومة فلسطينية، مع أن هناك خطة إسرائيلية لبناء مستوطنة في منطقة E1، وهي المنطقة التي تربط بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، مع العلم أن مساحة المنطقة 12 كيلومتراً مربعاً، وهي المنطقة الحساسة في الضفة الغربية، لأنها عقبة في طريق ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس.

قال عيد الجهالين رئيس تجمع سكان الخان الأحمر: «كان المتضامنون الفلسطينيون يدعموننا عام 2018، كانوا يبيتون عندنا، كنت أستضيف آلاف المتضامنين من كل دول العالم، كانت قضيتنا تتصدر الأخبار، ولكنْ بعد كارثة السابع من أكتوبر في غزة تحول الخان الأحمر إلى دولة مستوطنين، إنهم يخوضون حرباً ضدنا، العالم كله اليوم بعيد عن قضيتنا».

هناك خطة مقدَّمة من جمعية سموتريتش المختصة باغتصاب أراضي الفلسطينيين المسماة (ريغافيم) لبناء مستوطنة في منطقة E1 تضم 3401 وحدة سكنية، وسوف تعلن مناقصة الخطة في تموز القادم.

هناك مخطط جرى تجميده (مؤقتاً) ولكنه يسير ببطء شديد على يد جمعية ريغافيم الاستيطانية نفسها، هذا المخطط أقره الكنيست في 24-6-2013 وقدمه نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، إيهود برافر. هذا المخطط نصَّ على: «إخلاء مساكن بدو فلسطين غير المرخصة، وتجميع البدو في مدن أخرى، تستولي إسرائيل بموجب الخطة على ثمانمائة ألف دونم من أملاك البدو المرحلين، وعددهم يصل إلى أكثر من أربعين ألفاً من سكان النقب» أوقفت حكومة إسرائيل إعلامياً تنفيذ هذا المخطط بعد ستة شهور، غير أن عمليات الترحيل جارية بصورة فردية زاحفة.

لتنفيذ مخطط التهجير رشَّتْ إسرائيلُ مسحوقَ (الراوند أب) المحظور دولياً بالطائرات لإبادة مزروعات الفلسطينيين في النقب، وهي جريمة بيئية دولية لم تستثر جمعيات البيئة في العالم.

علينا أن نتذكر أيضاً عنقاء قُرى فلسطين قرية العراقيب في النقب، فقد كفَّت المواقع الرقمية عن نشر معظم أخبارها، فقد بلغ عدد مرات هدمها مائتين وخمسين مرة حتى أيار 2026، لا يزال سكانها يعيدون بناءها من جديد.

سأظل أتذكر ما قاله، دافيد بن غوريون رئيس أول دولة في إسرائيل عن النقب: «سيصبح النقب موطناً للمهاجرين اليهود، وهو استيطان مُدَّخر لإسكان ملايين يهود العالم» لأجل ذلك فإن بن غوريون قرَّر أن يبني أول مستوطنة في النقب على أنقاض قرية عبدات الفلسطينية، وأن يسكن فيها، وأن يطلق عليها، سديه بوكر وأن يُدفن فيها 1973. يحتفل المستوطنون كل عام بعيد ميدبيرن في النقب، حيث يتجمع آلاف المستوطنين، يشعلون النيران حول قبر بن غوريون. إن تقديس بن غوريون ليس نابعاً من قوة شخصيته فقط، ولكنه نابعٌ من خطته في استيطان النقب.

هناك منظومات استيطانية كبرى في إسرائيل تتحكم في معظم الحكومات، لأنها تحمل الجينات الدينية المركزية، وهي جينات الاستيطان الديني، ومن أبرز هذه المنظومات الكبرى التي يخشاها كل زعماء الأحزاب في إسرائيل، كتلة غوش إيمونيم، الصهيونية الدينية بزعامة تسفي كوك الحاخام الأكبر للتيار الديني الصهيوني، أسست الكتلة عام 1971 داخل حزب المفدال، وهو الحزب الذي كان يناصر في سبعينيات القرن الماضي الحركة الصهيونية، غير أن حزب المفدال وهو نواة غوش إيمونيم انضم عام 1977 إلى حزب الليكود وترك حكومة اليسار، لذلك فإن حزب الليكود يحمل جينة الاستيطان الرئيسة، جينة غوش إيمونيم والمفدال.

أنجبت حركة غوش إيمونيم حركة استيطانية أخرى وهي (أمانا) وأنجبتْ أيضاً الذراع الاستيطانية الباطشة الفعالة (يشع) دفيئة أصوات الناخبين اليمينيين، يشع اليوم هي مجلس حركة الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة.

الحقيقة هي أن الاستيطان الإسرائيلي ليس مبدأ سياسياً، بل عقيدة دينية عند الحريديم، هذه العقيدة الدينية راسخة في جوهر عقيدة تيار الصهيونية الدينية، وتيار الحريديم ممن لا يعترفون بالصهيونية، حتى أن معظمهم يرتبون عقيدة التوبة عند اليهودي وفق ثلاث توبات، التوبة الأولى توبة الخوف من الأعداء في المنفى، والثانية توبة الأرض عندما يعودون إلى أرض الميعاد، أما الثالثة فهي توبة الحُب، وهي انتظار عودة الماشيح المنتظر.

أسَّسَ الحاخام موشي بن نحمان الاستيطان في العقيدة الدينية اليهودية، وهذا الحاخام توفي عام 1270 في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، هو المنظِّر الأول للحركة الصهيونية الاستيطانية، قبل أن تظهر سلالة هرتسل كلها قال: «الاستيطان فريضة دينية يهودية واجبة، فريضة تساوي كل الفرائض الدينية، ولا تجوز ممارسة شعائر الدين اليهودي إلا في أرض الميعاد فقط، وكل فريضة دينية خارج أرض الميعاد لا يقبلها الله، كما يجوز لليهودي أن يُطلِّق زوجته إذا رفضت الهجرة إلى فلسطين».

وهذا الحاخام هو أيضاً من المساهمين في جذب التيار المسيحاني الصهيوني لإسرائيل الذي يشكل حوالى 13% من مسيحيي العالم، كما أن هذا الحاخام دفع التيار المسيحاني الصهيوني للإيمان بأن تأسيس إسرائيل في فلسطين هو الطريق لعودة الماشيح المنتظر أيضاً، وهذا اللقاء بين القطبين كان ولا يزال أكبر مصدر لتمويل إسرائيل في العالم كله.

قال عضو المسيحانيين الصهاينة الواعظ جيري فالويل سنة 1980: «إن الله بارك أميركا، لأن أميركا دعمت إسرائيل».