إعلان شرق أوسط جديد
نشر بتاريخ: 2026/06/19 (آخر تحديث: 2026/06/19 الساعة: 17:38)

قد يكون اتفاق الإطار مجرد وثيقة تفاهم، كما يعرّف من قبل صانعيه ومتابعي الشأن السياسي في الشرق الأوسط، لكنه في حقيقة الأمر، ينطوي على أهمية لا حدود لها، قد لا نبالغ أو قد نبالغ قليلا أو كثيرا، لو قلنا، إن أهميته قد تعادل أهمية الثورة التي اطلقها «ليخ فاليسا» لمن يتذكر، وذلك في مطلع تسعينيات القرن الماضي في بولندا، والتي سرعان ما تحولت إلى كرة ثلج تدحرجت حتى أتت على النظام العالمي الذي كان سائدا منذ أقل قليلا من نصف قرن، أي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، حتى ذلك الوقت، لأنها أدت إلى إسقاط النظام الشيوعي البولندي، والذي أدى بدوره إلى سقوط الأنظمة الشيوعية في دول شرق أوروبا تباعا، ثم تفكك اتحادات تشيكيا وسلوفاكيا، ويوغوسلافيا، ومن ثم الاتحاد السوفياتي، ليقوم النظام العالمي، بعد أن كان ثنائي القطبية العالمية، على أساس نظام قطبي واحد، هو القطب الأميركي.

الآن، يبدأ الأميركيون والإيرانيون صفحة جديدة في العلاقة بينهما، مختلفة عما كانت عليه منذ أقل قليلا من خمسين عاما، وبذلك فهما يدشنان نظاما شرق أوسطي، شكله القادم بتفاصيله سيحدد معالم النظام العالمي الجديد، الذي بدأت الدلالات على الحاجة له تظهر تباعا منذ سنوات، وازدادت القناعة بأنه آتٍ دون شك، خاصة خلال الحرب التي دارت في الشرق الأوسط منذ ثلاث سنوات مضت، ذلك أن الحرب أكدت أن الشرق الأوسط، ما زال يلعب دورا محوريا، أو حتى مركزيا في النظام العالمي، خاصة أن النظام العالمي منذ ما بعد الحرب الباردة، بات يسير نحو الارتكاز على محور الاقتصاد، حتى أكثر من المحور العسكري، وقد تأكد تماما أن الحرب في الشرق الأوسط، وبشكل اكثر وضوحا مما ظهرت عليه الحرب الروسية الأوكرانية، قد كانت في صلب التحول في النظام العالمي، وقد ظهر هذا جليا، في أكثر من شكل، لعل اكثرها سطوعا، هو انضمام الولايات المتحدة، إلى إسرائيل في الحرب، وهذا أمر لم تفعله أميركا ولا أوروبا مع أوكرانيا.

كما أن وقوف كل من الصين وروسيا إلى جانب ايران سياسيا، من خلال إسقاط مشاريع القرارات التي كانت تتقدم بها دولة البحرين، ضد ايران في مجلس الأمن، أو من خلال ما قيل إنه إسناد لإيران عسكريا من خلال تزويدها بخدمات أقمار التجسس الصناعية، أو ما إلى ذلك، ولعل ما كان واضحا من أهداف للحرب من قبل إسرائيل أولا، التي قالت، إنها تسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يهيئها للاستغناء عن أميركا بعد عشر سنين، ومن قبل أميركا ثانيا، التي قالت، إنها تسعى إلى قطع علاقة ايران الاقتصادية بالصين، ما يؤكد بأن قطبي النظام العالمي القادم، قد تنافسا على ايران، خلال هذه الحرب، فقد سعت أميركا من أجل الحفاظ على نظامها العالمي الحالي، إلى تحطيم قوة ايران ونظامها السياسي، لإضعاف الصين، وذلك بالسيطرة على احد مصدري النفط لها، لكن صمود ايران، ومن ثم تحكمها بمضيق هرمز الذي يعتبر عصب التجارة العالمية، دفعا أميركا لإعادة حساباتها.

وكما كنا قد تساءلنا في اكثر من مقال سابق، عما ستفعله أميركا، حين تصبح أمام الاختيار الصعب، بين إسرائيل ونظامها العالمي، وجدت أميركا نفسها أمام هذا الخيار، حين تأكدت من فشل الخيار العسكري في تحقيق الأهداف المشتركة للحرب بينها وبين إسرائيل، فاختار رئيسها دونالد ترامب، وفي ظل تضاد وجهات النظر داخل إدارته، الانحياز لأميركا أولا، على حساب الحليف الاستراتيجي شريكها في الحرب، أي إسرائيل، وما يدفعنا لقول هذا، ليس ما قاله ترامب من «مداعبات» قبل الإعلان عن وثيقة التفاهم، من أن ايران يمكن أن تنضم لاتفاقيات أبراهام، مع أن هذه الاتفاقيات باتت إما في مهب الريح، أو أنها ستتغير، مع دخول السعودية وإيران في إطار «السلام الإقليمي» الذي سيدشن شرق أوسط جديدا مختلفا تماما عن مشروع إسرائيل الكبرى، بل إن اتفاق الإطار لا يبدو انه مقتصر على وقف الحرب، بل هو مشروع يهدف إلى هندسة نظام شرق أوسطي جديد.

الدافع لهذا الشرق الأوسط الجديد، تأكد من خلال حالة الانقسام التي رافقت الحرب، والتي كانت علاماتها تظهر قبل ذلك، فالصراعات والخلافات باتت في كل مكان من المنطقة، الحرب الداخلية من جهة، والحرب بين إسرائيل ودول الجوار (فلسطين ولبنان وسورية) من جهة ثانية، والصراعات بين إسرائيل من جهة وكل من ايران وتركيا والسعودية وحتى مصر من جهة أخرى، أي أن دول المنطقة لا يجمعها جامع، ولا حتى جامعة الدول العربية باتت تجمع دولها المختلفة في موافقها تجاه إسرائيل وغيرها، ولا حتى مجلس التعاون الخليجي بات موحدا في مواقفه، لا تجاه إسرائيل ولا تجاه ايران، ولا تجاه السودان أو اليمن أو لبنان، ولعل ما قاله فانس نائب الرئيس الأميركي، بشكل عابر، بعد الإعلان عن التوصل لاتفاق الإطار، وهو بالمناسبة، قد يكون الرئيس الأميركي القادم، لذلك هو اظهر اعتدالا تجاه الحرب على ايران، لأنه اقترب من الشارع الأميركي، فقد قال الرجل، إنه سيكون لإسرائيل مكان على طاولة الشرق الأوسط الجديد.

تذهب أميركا إلى جمع دول الشرق الأوسط كدول حليفة، لأنها تدرك أهمية الشرق الأوسط في تحديد شكل النظام العالمي، وذلك في ظل الصراع الكوني المحموم حول ذلك النظام، وهي ذاهبة إلى إقامة نظام حليف لها في المنطقة شبيه بحليفها الأوروبي، وربما هذا يأخذنا إلى ما كان قاله ترامب قبل نصف عام، في سياق حديثه عن مجلس السلام، الذي أصر على انه يراه لا يقتصر على غزة، وذلك بعد أن اجتمعت حول ذلك الملف ثماني دول عربية وإسلامية، لذلك فإن لحظة توقيع اتفاق الإطار هي لحظة فارقة، لأن أميركا اختارت فيها الذهاب إلى الشرق الأوسط، من البوابة التي تفتح على مجموع دول المنطقة، وليس عبر البوابة الإسرائيلية، وقد كان يمكن أن يكون الأمر كذلك، أي أن تقيم أميركا تحالفها مع شرق أوسط إسرائيلي، هذا لو أن الحرب نجحت في إسقاط النظام الإيراني، ثم في معاجلة «تمنّع» كل من تركيا والسعودية، وحتى مصر من مواجهة الشرق الأوسط الإسرائيلي، أو الوقوف في طريق مشروع إسرائيل الكبرى.

لا يعني هذا أن إسرائيل ستختفي من خارطة الشرق الأوسط الجديد، أو أنها ستتبدد من جغرافيا الإقليم، لكنها ستكون واحدة من دوله، تخضع لنظامه، بينما أميركا ستعود للأمم المتحدة، وهذه هي دلالة أن ينص اتفاق الإطار على ترجمته في قرار من مجلس الأمن، لكن إسرائيل ستقبل هذه المرة، بالمبادرة العربية، واتفاق السلام الإقليمي سيذهب باتجاه مؤتمر السلام في نيويورك الذي قادته فرنسا والسعودية والذي تبعته اعترافات دول العالم تباعا بفلسطين، أي أن إسرائيل باختصار ستقبل بحل الدولتين، وستعلن حدودها داخل حدود 67، وذلك انسجاما مع حقيقة أن كل دول المنطقة باتت منذ اتفاق أوسلو، تعترف بحق إسرائيل في الوجود، ولكن ليس في الاحتلال والتوسع وفي الطموح بإسرائيل الكبرى، بينما إسرائيل هي التي ظلت ترفض حل الدولتين، وبذلك منعت الاستقرار في الشرق الأوسط.

والأدلة على أن الأمور ذاهبة على هذا النحو، هي كامنة بين طيات اتفاق الإطار، رغم انه مختصر وموجز، فقد تأكدت أهمية هرمز للاقتصاد العالمي، لذلك تحاول أميركا أن تبقي سيطرتها عليه، ولكن من خلال حليف شرق أوسطي، هو ايران وعمان، وربما دول الخليج، كما كانت ايران قد اقترحت خلال الحرب، وكذلك هناك الحديث عن معالجة الاقتصاد الإيراني عبر خطة الـ 300 مليار دولار، حتى تكون ايران ضمن نظام الشرق الأوسط الحليف لأميركا، وبما يغريها للتخلي عن التحالف مع الصين، كذلك كون اتفاق الإطار ما هو إلا تصور عام، تفاصيله ومستقبله لا يزالان رهنا بالتفاوض اللاحق، وهكذا فإن ما سيحدث على الأرض سيقرر إن كان التوقيع في جنيف سيحقق وقف الحرب فقط، أم انه سيفتح الباب واسعا للشرق الأوسط الجديد.

وما سيجري على الأرض سيشمل ما سينجم عن انتخابات الكنيست القادمة، التي باتت تشير إلى خروج اليمين المتطرف من الحكم، بما يؤهل إسرائيل للانضمام إلى شرق أوسط جماعي، كذلك فإن أميركا «عراب» هذا المشروع، جاهزة بجمهورييها وديمقراطييها، لمثل هذا المشروع ما دام يبدأ بحل الدولتين، وبتهدئة الحدود بين إسرائيل وجيرانها، وإعادة ترتيب تلك الحدود، إلى ما كانت عليه قبل حرب إسرائيل الكبرى، وأميركا بهذا ستضمن أن تكون قطبا رئيسا في النظام العالمي، إن لم تضمن بقاءها كقطب وحيد، بينما ترامب نفسه، سيسعى للحصول على جائزة نوبل للسلام في آخر ولايته، بعد أن سعى إليها في أولها.