الحوار الذي تمخّض عن اللاشيء..!
نشر بتاريخ: 2026/06/12 (آخر تحديث: 2026/06/12 الساعة: 18:32)

انتهت جولة حوار القاهرة التي اعتبرها المراقبون أنها حاسمة دون نتائج، لكن لا شيء حاسماً سوى استمرار العذاب في غزة، فلا شيء جدياً هناك لا الفصائل معنية ولا راغبة بتسليم سلاحها، وهو ما جاء في خطة ترامب، ولا الوسطاء لديهم هذا القدر من الضغط، ولا إسرائيل التي تفضل خيارات مفتوحة متعددة على أبواب الانتخابات متكئة على الاستعصاء الحاصل، ما يفتح على أي سيناريو يخدم مصالحها، سواء استمرار الحال بمزيد من العذاب وإبقاء الغزيين بين الحشرات والقوارض والجوع والخيام إلى أن يشاء الله، أو حين ينضج أكثر مشروع التهجير، أو استمرار قضم القطاع بلا صخب يثير العالم حتى يحشر الناس في خُمس القطاع أو أقل، أو حرب صاخبة ومزيد من الدم ليحوّله الائتلاف الحاكم إلى أصول نقدية في بازار الانتخاب، خصوصاً غزة التي خرج منها السابع من أكتوبر.

تمخض الحوار فلم يلد سوى انسحاب خافت للوسطاء يشبه الأنين الخافت للغزيين الذين لم يعودوا يقوون على العويل ولا الصراخ؛ فقد أكلت الحرب والحصار والفصائل أرواحهم، ولم يعد لديهم أمل منتظرين حلول السماء التي كانت بخيلة معهم في هذه الحرب كما قال محمود درويش عن النكبة، لا صوت لأحد من شدة الخجل أو الفشل سوى بعض التسريبات عن إعادة تدوير للمشاورات، ومزيد من الصبر لمواطن يجلس على الجمر وهو يراقب العجز، لكنه يصر على أن يُكذّب كل حواسه سمعاً وبصراً وتجربةً تجسدت على جلده لأجل حلم على نمط لولا فسحة الأمل، وهي شكل من أشكال خداع الذات يتم استدعاؤها حين يتشح الواقع بالسواد.

قبل عقد ونصف العقد، استوقفني الدكتور عماد محسن طالباً مني أن أقدم جرعة تفاؤل، لأن مقالاتي دوماً متشائمة قلت: «يا صديقي، أنا لست كاتب رواية لأزوّج البطل للبطلة وأضع النهاية السعيدة. أنا كاتب سياسي وظيفته أن يحلل الواقع ويعكسه كما هو، لا أن يُجمّله.. أن يصفه كما هو دون خداع القراء، فإذا كان أسود عليه أن يقول الحقيقة، وواقعنا يا صديقي شديد الصعوبة، ومدخلات الحالة السياسية لن تعطي مخرجات وردية بل هي مدعاة للقلق». الحقيقة لم أتصور أنها ستكون بوزن سحق المكان والبشر وإلقاء الناس في الخيام، ولكن الصديق نفسه الذي التقاني استوقفني بعد أعوام ليقول «أنا مدين لك بتوضيح. واقعنا أسوأ مما تصف. يبدو أنك متفائل قياساً بالواقع». هذا هو حالنا، وهو نتاج الأداء المتواضع للطبقة السياسية المتواضعة.

أصيبت غزة بضربة كسرت ظهرها، كيف ولماذا تلك باتت معروفة؛ حين اجتمع جهل الأبناء مع مكر الأعداء ليعمّ الخراب والدمار، وما زالت أسيرة تلك المعادلة «حماس» التي ذهبت للملعب العسكري الإسرائيلي فأصيبت بالهزيمة، لكنها تصر على هندسة اليوم الثاني لغزة، وتلك هي معضلة غزة و»حماس»، فمن سيقنعها بأن أهليتها لذلك لم تعد قائمة، وعليها أن تسمع ما تقوله الفصائل الأخرى والوسطاء؛ لأن العقل الذي أقام وأدار مؤتمر وعد الآخرة لا يصلح لإدارة السياسة، فهذا استمرار لمغامرة لا يقدر عليها الشعب الفلسطيني ومستقبله. قد لا ترى «حماس» ذلك، لكن علينا أن نقوله لها، وعلى الفصائل التي تتشارك معها الحوار أن تكون أكثر صدقية مع شعبها وواقعها وأن تصارح «حماس» بما لا تريد أن تسمعه، وإلا فستكون هذه الفصائل مشاركة في الخداع وفي استمرار معاناة الناس.

القصة في سلاح «حماس» والبند الثامن، ولا يرى الإسرائيلي أي شيء دونه، ويمتلك من ممكنات القوة ما يفتح له كل الخيارات، فيما خيارات «حماس» تكاد تكون صفرية. وثبت أن رفع الكلفة وعدد الضحايا الذي تمّت المراهنة عليه مطلع الإبادة خيار أثبت عدم جدواه في وقف الإبادة، والتي لم يوقفها سوى استسلام «حماس» لخطة ترامب وموافقتها على تسليم السلاح، أما غير ذلك فهو غير واقعي. فـ»حماس» حَنَت رأسها معتقدة أن تلك عاصفة وستمر بعدها غير مدركة لهول اللحظة وحكم التاريخ القاطع الذي لا يحتمل المزاح، الحركة لن تسلم سلاحها فتلك هوية وأيديولوجيا وأسباب للبقاء، فهل يمكن التصور أن «حماس» بلا سلاح؟ ويضاف للهوية والأيديولوجيا جملة من الاعتبارات الداخلية بالقطع، ليس آخرها مليشيات العملاء.

لا تقدم فعلياً في الحوار وحديث عن أوراق وتعديلات لن تسفر عن شيء، سوى نوع من التخدير الذي اعتاد عليه الفلسطيني منذ حوارات الفصائل المزمنة التي انتهت بكارثة. فقد تفاءل قادة «حماس» حين حاوروا أنفسهم، واتفقوا مع أنفسهم على تغيير كلمة تسليم السلاح بـ»تحييد السلاح»، وارتباطاً بفهم إسرائيل وانتخاباتها وعقدها النفسية التاريخية فهي تريد تجريد غزة من السلاح الذي وجّه لها ضربة شديدة ذات صباح، ما يعني أن الكلمات لن تنتج سوى مزيد من التسويف وإطالة عذاب الغزيين. الجمعة الماضي، قبل بدء الحوار، كتبت مقالي عن مستحيلات غزة الثلاث عن اللجنة و»حماس» وإسرائيل... الأمم المتحدة أصدرت بالأمس تقريراً عن واقع الفلسطينيين تقول فيه: إن الفلسطينيين محاصرون بين ثلاثية أخرى، وهي «إسرائيل والمستوطنون وحكم حماس» المشترك هنا إسرائيل و»حماس» هكذا يرى الغزيون المعاناة.