إبراهيم أبراش.. السياسة لا تُقرأ بعين الخصومة
نشر بتاريخ: 2026/06/07 (آخر تحديث: 2026/06/07 الساعة: 22:57)

ليس غريباً أن يخرج علينا بعض الكُتّاب بين الحين والآخر بمحاولات إعادة تدوير الروايات القديمة ذاتها، تلك التي بُنيت على الظنون والرغبات السياسية أكثر مما بُنيت على الوقائع والحقائق، وما كتبه د. إبراهيم أبراش حول ما أسماه "مشروع دحلانستان" لا يخرج عن هذا الإطار؛ فهو مقال محمل بالأمنيات الشخصية، ومثقل بأحكام مسبقة، ويعكس حالة من الخصومة السياسية أكثر مما يعكس قراءة وطنية متزنة لما يجري في غزة والمنطقة.

المفارقة أن المقال حاول أن يُقدم نفسه كتحليل سياسي، بينما هو في جوهره إعادة استحضار لخطاب التخويف والتشويه الذي استُهلك منذ سنوات، وفشل في إقصاء محمد دحلان أو إنهاء حضوره الوطني والسياسي، بل إن كل حملات الاغتيال المعنوي التي مورست بحقه لم تنجح إلا في تكريس حقيقة واحدة: أن الرجل بقي حاضراً في وجدان قطاع واسع من أبناء شعبه لأنه لم يغادر الميدان يوماً، ولم يتخل عن مسؤولياته الوطنية والإنسانية رغم كل ما تعرض له من حملات تحريض منظمة.

إن الحديث عن "دولة دحلانستان" ليس سوى محاولة بائسة لاستدعاء مفردات قديمة لم تعد تقنع أحداً خاصة في ظل واقع فلسطيني بالغ التعقيد يحتاج إلى عقلية تبحث عن حلول، لا إلى أقلام تُتقن اجترار الانقسامات وإنتاج الكراهية السياسية، فمن يتابع المشهد يدرك جيدًا أن ما يُطرح اليوم ليس مشروع سلطة بديلة ولا كياناً منفصلاً، بل جهود سياسية ووطنية تهدف أولًا وأخيرا إلى حماية ما تبقى من شعبنا في غزة من الانهيار الكامل، والعمل على صياغة مقاربة وطنية واقعية تُخرج القطاع من الكارثة التي يعيشها.

التيار الإصلاحي لم يطرح نفسه يوماً بديلاً عن أحد، ولم يقل إنه يسعى لوراثة السلطة أو القفز فوق المؤسسات الوطنية رغم تأكيد رئيس التيار مراراً وتكراراً في أكثر من مقابلة له بأنه لن يكون في أي منصب أو دور قادم وسيرفض ذلك، بل يؤكد في كل مواقفه أن القضية اليوم أكبر من الأشخاص، وأن الأولوية اليوم يجب أن تنصب لإنقاذ وإغاثة الناس، وترتيب البيت الفلسطيني، وتهيئة الظروف لمرحلة انتقالية تمنع الفوضى والانهيار الشامل ، أما تصوير أي تحرك سياسي أو إنساني وكأنه مؤامرة لإقامة "إمارة دحلانية"، فهو خطاب لا يخدم إلا استمرار الانقسام وإدامة المأساة.

ثم إن من يتحدث عن "القبول الإقليمي والدولي" لدحلان وكأنه تهمة، يتجاهل حقيقة بديهية مفادها أن أي شخصية فلسطينية قادرة على فتح قنوات اتصال وتحشيد الدعم السياسي والإغاثي لشعبها في هذه الظروف الكارثية، إنما تقوم بواجب وطني لا بجريمة سياسية، فهل أصبح التواصل مع العواصم العربية والدولية لتأمين الإغاثة، ووقف الحرب، وخلق أفق سياسي، أمراً يُدان عليه صاحبه؟ أم أن المشكلة الحقيقية لدى البعض هي أن هناك من يتحرك ويفعل بينما يكتفي آخرون بالتنظير وكتابة المقالات؟

الحقيقة التي يتجاهلها خصوم دحلان عمداً، أن الرجل ورفاقه في تيار الإصلاح الديمقراطي بحركة فتح انشغلوا طوال السنوات الماضية في دعم صمود الناس، وتقديم الإسناد الاجتماعي والإغاثي، والعمل على تخفيف معاناة الأسر المنكوبة، بالتوازي اليوم مع حراك سياسي واسع هدفه منع تصفية القضية الفلسطينية، والسعي لإيجاد مقاربة وطنية جامعة تُجنب شعبنا مزيداً من الويلات، بينما انشغل آخرون بإدارة المعارك الكلامية، وتوزيع شهادات الوطنية، والعيش داخل أوهام السلطة المتخيلة.

إن الفرق كبير بين من يتعامل مع الواقع بكل تعقيداته ويحاول أن يصنع مساراً آمناً لعبور المرحلة المقبلة، وبين من يكتب بعقلية التمنيات والانفعالات السياسية، فالبعض ما زال أسير صورة ذهنية قديمة، ويريد أن يرى المشهد كما يشتهي لا كما هو قائم فعلا.. أما العقل السياسي المسؤول، فهو الذي يُدرك أن المرحلة القادمة تحتاج إلى رؤية وطنية قادرة على تجنيب غزة الفوضى والانتقام والانهيار.

كما أن اختزال المشهد الفلسطيني كله في صراع على السلطة يُعد إساءة لوعي الناس ولتضحيات شعبنا، فليس كل من يتحرك سياسياً يبحث عن "كرسي"، وليس كل من يملك حضوراً عربياً أو دولياً يسعى لإقامة دولة خاصة به، هذه اللغة التي تُستخدم للتشويه لم تعد تقنع الجيل الفلسطيني الذي أصبح يرى الوقائع بعينه، ويُدرك من بقي حاضراً إلى جانب الناس وقت الشدائد.

اليوم، شعبنا لا يبحث عن سجالات نخبوية ولا عن تصفية حسابات قديمة مليئة بالمغالطات، بل يبحث عن من يفتح له نافذة أمل وسط هذا الخراب الهائل، يبحث عن قيادة تمتلك القدرة على العبور بين الألغام السياسية، وتعرف كيف تدير التوازنات، وتحافظ على الثوابت الوطنية دون أن تغامر بمصير الناس، وهذه ليست مهمة من يعيش داخل الأبراج الأكاديمية أو خلف الشاشات، بل مسؤولية من يخوض تفاصيل المشهد بكل ما فيه من تعقيدات وضغوط ومخاطر.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن حملات التحريض لا تصنع حقائق، وأن كثرة الاتهامات لا تُلغي الحضور السياسي والشعبي ومحمد دحلان، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا، بقي رقماً صعباً في المعادلة الفلسطينية، لأن السياسة لا تُقاس بالرغبات الشخصية، بل بالقدرة على الفعل والتأثير وقراءة المتغيرات.

وفي النهاية، أخطر ما يمكن أن نواجهه اليوم هو استمرار عقلية التخوين والتشويه بدل البحث عن مساحات مشتركة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالتاريخ لن يرحم أولئك الذين انشغلوا بحروبهم الصغيرة فيما كان شعبهم يواجه واحدة من أكثر مراحل قضيته قسوةً وخطورة.