في أوقات الحروب الكبرى، تصبح الأسئلة الوجودية عبئاً ثقيلاً، ويُصنف طرحها أحياناً كنوع من الترف أو حتى الخيانة. لكن عندما يتحول الدمار إلى خبز يومي، ويصبح الموت هو الثابت الوحيد، يصبح سؤال "من يحمي من؟ ومن يخون من؟" ليس مجرد تساؤل سياسي، بل هو صرخة أخلاقية من قلب الركام.
بين شعبٍ يجد نفسه مطالباً بدفع ضريبة الدم دون توقف، ومقاومةٍ ترى في البندقية خياراً وحيداً للتحرير، أين تقع حدود الأمانة؟ وهل يمكن التوفيق بين استمرار المقاومة والحفاظ على حياة البشر ومقدراتهم؟
أولاً: هل "خيار المقاومة" يعني الانتحار الجماعي؟
الشعب الفلسطيني في غزة لم يترك خياره في المقاومة ترفاً، بل فرضه واقع الاحتلال والحصار والانسداد السياسي. الدفاع عن الأرض هو غريزة إنسانية وحق كفلته الشرائع.
ولكن، عندما يرتبط هذا الخيار بتدمير شامل يمسّ:
الأمن الشخصي والمأوى: خسارة البيوت وتحول العائلات إلى نازحين بلا مأوى.
مستقبل الأطفال: ضياع التعليم والمدارس والصحة النفسية والجسدية لجيل كامل.
مقومات الحياة: تدمير المستشفيات، البنى التحتية، والاقتصاد.
هنا يبرز السؤال الصعب: إذا صرخ المواطن تعباً، أو بحث عن أمان عائلته ومستقبل أطفاله، هل يُعد خائناً؟
الإجابة الحتمية هي: لا. فالشعوب ليست جيوشاً نظامية، وحب الوطن لا يعني بالضرورة قبول الفناء الصامت. حماية الأب لأطفاله وبحث الأم عن حليب لرضيعها وسط المقتلة هو فعل غريزي لا صلة له بالخيانة، بل هو صلب البقاء.
ثانياً: متى تخون المقاومة شعبها؟
المقاومة في تعريفها الوطني والأخلاقي ليست غاية بحد ذاتها، بل هي وسيلة لحماية الشعب وتحريره. تولد المقاومة من رحم الشعب، وتستمد شرعيتها من احتضانه لها. بناءً على ذلك، تقع المقاومة في فخ "الخيانة الضمنية للأمانة" إذا تخلت عن المبادئ التالية:
انفصال الحسابات: إذا أصبحت حسابات المقاومة وصمودها العسكري منفصلة تماماً عن واقع صمود الناس وقدرتهم على الاحتمال.
الاستمرار في "المقتلة" بلا أفق سياسي: المقاومة الذكية هي التي تعرف متى تقاتل ومتى تفاوض، ومتى تحول الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي يحقن دماء الناس. الاستمرار في الحرب لمجرد الحرب، دون اعتبار للانهيار الشامل للحياة الإنسانية، يُعد تخلياً عن الأمانة التي تفترض حماية هذا الشعب.
الاستعلاء على أوجاع الناس: عندما تصبح أصوات الضحايا ومطالبهم بالعيش والأمان تُجابه بالتخوين أو التهميش من قبل من يحمل السلاح.
ثالثاً: كيف لا تخون المقاومة شعبها؟ (المقاومة بمفهوم مصالح الناس)
لكي تظل المقاومة وفية لشعبها، ولكي يحافظ الشعب على خياره الإستراتيجي بالتحرير، يجب إعادة تعريف العلاقة بينهما وفق أسس جديدة:
البندقية لحماية البيت، لا لتدميره: يجب أن تكون الإستراتيجية العسكرية مبنية على تقليل الخسائر في صفوف المدنيين، وليس اعتبارهم "وقوداً حتمياً" دون سقف زمني أو خطة إيواء وإنقاذ حقيقية.
المزاوجة بين الصمود والإغاثة: لا يمكن للمقاومة أن تطالب الشعب بالصمود وهي عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من مقومات هذا الصمود (الغذاء، الطبابة، الأمان نسبي). المسؤولية الوطنية تقتضي أن يكون أمن الناس موازياً لأمن المقاتل في نفقِه.
المرونة السياسية: الوفاء للشعب يعني امتلاك الشجاعة السياسية لاتخاذ قرارات صعبة (كالتنازلات السياسية أو الهدن طويلة الأمد) إذا كان ذلك سينقذ جيلاً كاملاً من الإبادة والضياع.
خاتمة: العقد الاجتماعي الجديد
إن الإجابة عن تساؤل "من يخون من" تلخصها حقيقة واحدة: يخون الأمانةَ مَن يرى في الإنسان مجرد رقم في معادلة الحرب.
الشعب الفلسطيني لن يتخلى عن حقه في الحرية، والمقاومة ستبقى فكرة عصية على الانكسار؛ ولكن لكي تستمر هذه المنظومة دون أن تلتهم نفسها، يجب أن تدرك المقاومة أن "الأرض بلا شعب لا قيمة لتحريرها"، وأن الحفاظ على الإنسان الفلسطيني، وعقله، وصحته، ومستقبل أطفاله، هو الانتصار الحقيقي والوحيد الذي يستحق القتال لأجله. حماية الناس ومصالحهم ليست تراجعاً، بل هي أسمى درجات المقاومة.