أبو علي شاهين… الرجال العظام لا يرحلون في ذاكرة الوطن
نشر بتاريخ: 2026/05/29 (آخر تحديث: 2026/05/30 الساعة: 02:35)

في الثامن والعشرين من أيار، لا نستحضر مجرد تاريخ وفاة قائد فلسطيني، بل نستحضر سيرة وطنٍ كامل اختصرته ملامح رجل اسمه أبو علي شاهين.

وفي هذا العام 2026 تمر الذكرى الثالثة عشرة على رحيله، بعد أن غادر الدنيا بتاريخ 28 أيار 2013، تاركاً خلفه إرثاً نضالياً وفكرياً وإنسانياً ما زال حاضراً في الوعي الفلسطيني والعربي، وحاضراً في الذاكرة الشعبية كما لو أنه لم يغِب يوماً.

أيُّ الكلمات تستطيع أن تنصف رجلاً عاش عمره كله في خندق الثورة؟

وأيُّ الحروف تستطيع أن تختصر سيرة من حمل فلسطين في قلبه، كما يحمل المؤمن عقيدته؟

لقد كان أبو علي شاهين أكبر من المناصب، وأعمق من الألقاب، وأصدق من الشعارات التي تتبدل مع الزمن. كان حالة ثورية متكاملة، ورمزاً من رموز الجيل الذي آمن أن الوطن لا يُستعاد إلا بالتضحية والصبر والكبرياء.

ولد المناضل عبد العزيز شاهين “أبو علي شاهين” في قرية بشيت المهجرة، وعاش مبكراً قسوة النكبة واللجوء، فكبر داخله وجع فلسطين حتى تحول إلى مشروع نضال دائم لا يتوقف. انخرط في صفوف حركة فتح منذ بداياتها الأولى، وكان من أوائل الذين حملوا فكرة التنظيم الثوري والعمل الوطني داخل الأرض المحتلة بعد عام 1967، فشارك في تأسيس الخلايا الأولى، وأسهم في بناء جيل كامل من الكادر الثوري الذي حمل مشروع المقاومة.

ولم يكن مجرد قائد تنظيمي، بل كان من مؤسسي الشبيبة الفتحاوية، التي تحولت لاحقاً إلى مدرسة نضالية وفكرية شكلت وعي آلاف الشباب الفلسطيني. كما أسس لاحقاً الكادر الشبابي في مطلع الانتفاضة الأولى، والذي اتخذ طابعاً نضالياً وجهادياً مؤثراً في الشارع الفلسطيني، وأسهم في تعزيز حضور الحركة الوطنية في الميدان.

دخل أبو علي شاهين السجون لسنوات طويلة، وعاش تجربة الحركة الأسيرة بكل قسوتها، بما في ذلك العزل الانفرادي، لكنه خرج أكثر صلابة وإيماناً بأن القضية لا تُكسر بالسجن ولا بالقمع. وبعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، واصل دوره الوطني، فكان ضمن طاقم التوجيه السياسي، ثم تولى لاحقاً منصب وزير وزارة التموين، وبقي في موقعه حتى وفاته، محافظاً على حضوره الوطني والسياسي.

وفي زمن الانتفاضة الثانية، كان مثالاً يُحتذى به في دعم الكوادر الشبابية، وساند مختلف أشكال المقاومة، بما فيها كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، مؤمناً بأن البوصلة يجب أن تبقى نحو الحرية مهما اختلفت الظروف. ومع حالة الانقسام الفلسطيني بين الضفة وغزة، اتخذ موقفاً واضحاً بعدم الانخراط في أي اصطفاف يكرّس الدم الفلسطيني، وظل داعياً لوحدة الصف وحماية النسيج الوطني.

ورغم المرض الذي ألمّ به لاحقاً، حيث أصيب بمرض السرطان، لم يغادر فلسطين إلا للعلاج في جمهورية مصر العربية، وظل قلبه معلّقاً بقطاع غزة، حيث أوصى أن يُدفن في أرضه، في مقبرة رفح، بين أهله ورفاقه.

ومن مواقفه التي لا تُنسى، وقوفه في رفح – تل السلطان – حاملاً يافطة في دوار النجمة، ليطلق كلمته الشهيرة: “لن يحكمني ملثم”، في إشارة إلى تمسكه بالدولة والنظام والوطنية في مواجهة الفوضى والانقسام، وهي عبارة أصبحت لاحقاً جزءاً من ذاكرة الخطاب السياسي الفلسطيني.

كان أبو علي شاهين رجلاً اجتماعياً بامتياز، قريباً من الناس، يتفقد جيرانه، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويقف إلى جانب المحتاجين في كل تفاصيل حياتهم. لم يكن بعيداً عن الناس، بل كان واحداً منهم، يعيش بينهم وبهم، مما جعله يحظى باحترام واسع في مختلف طبقات المجتمع الفلسطيني.

واليوم، وبعد سنوات على رحيله، لا يُستحضر أبو علي شاهين كقائد فقط، بل كذاكرة وطنية كاملة، وكمدرسة نضالية وإنسانية لا تزال تلهم الأجيال.

ويكفي أنه كان يؤمن بالكلمة والكتاب والوعي، وكان يشجع على القراءة والبحث، حتى في أحلك مراحل الصراع، وكان يقول لمن حوله إن المعرفة جزء من المقاومة، وإن الوعي هو أساس التحرر.

ويُروى عنه أنه كان يخاطب كاتب هذا المقال قائلاً، في لحظة تشجيع وإيمان بدور الكلمة:

“أنت تحمل في الكتابة عبء فلسطين، كأنك هرقلها في زمن الكلمة.”

في إشارة عميقة إلى أن الكتابة ليست ترفاً، بل مهمة ثقيلة تشبه حمل الأثقال في الأساطير، وأن من يكتب عن فلسطين يحمل مسؤولية وعي لا تقل عن أي ميدان آخر.

وفي الذكرى الثالثة عشرة لرحيله، لا نبكي الغياب فقط، بل نستحضر حضور رجلٍ ما زال يسكن الأرض والذاكرة، من رفح إلى غزة، ومن المخيمات إلى الشتات الفلسطيني، كأن روحه لم تفارق المكان يوماً.

رحل جسداً، وبقيت روحه تحلق في سماء رفح وتطوف في غزة والشتات، شاهدةً على أن بعض الرجال لا يرحلون، بل يتحولون إلى فكرةٍ خالدة في ضمير الوطن.

سلامٌ على روحك يا شيخ الثوار…

وسلامٌ على قلبك الذي تعب كثيراً من أجل فلسطين، لكنه لم ينحنِ يوماً إلا لله.