أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان بارو أن الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير ممنوع من دخول الأراضي الفرنسية، على خلفية نشر الوزير مقاطع يظهر فيها وهو يستهزئ بنشطاء أسطول الحرية المتضامنين مع غزة الذين تم اعتقالهم وهم مقيدون ومعصوبو الأعين. فرنسا اعتبرت ذلك «سلوكاً غير مقبول تجاه مواطنين فرنسيين وأوروبيين، ودعت الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات جماعية على بن غفير، على غرار العقوبات التي فرضتها دول أخرى مثل بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. يقول الصحافي الإسرائيلي بن ريف في «الغارديان»: الحكومات الغربية تدين إسرائيل بالفعل. ليس بسبب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة التي أودت بحياة أكثر من 70 ألف فلسطيني، بل بسبب حيلة دعائية قام فيها بن غفير بتصوير نفسه وهو يستهزئ بالناشطين الأجانب». ويضيف: الرجل يمثل اتجاها سياسيا ومجتمعيا متناميا أصبح جزءا أساسيا من بنية الدولة الإسرائيلية الحالية. ولذلك، فإن أي محاولة لفهم إسرائيل المعاصرة دون إدراك هذا التحول ستبقى قراءة ناقصة ومضللة للواقع السياسي الإسرائيلي. هذا الكلام يلامس الواقع، فالتحول الرجعي العنصري في المجتمع والمؤسسة والثقافة الإسرائيلية قاد إلى طرح الحل الفاشي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يترجمه على الأرض بن غفير وسموتريتش والمنظمات الاستيطانية والمؤسسات الأمنية والجيش وأكثرية الوزراء وأعضاء الكنيست. هؤلاء يتحللون من كل ناظم قانوني وكل قواعد ومواثيق دولية وحقوقية بما في ذلك الحل الدولي للصراع المدعم بمئات القرارات، ويستبدلونها بأيديولوجيا دينية متزمتة. أصبح التحول الرجعي العنصري الإسرائيلي في الخطاب والممارسات سياسة إسرائيلية عامة، تهدد مصير شعب آخر بما في ذلك حقه في الحياة والغذاء والعمل والتعليم والحركة والبقاء في وطنه وحقه في تقرير مصيره.
وفي الوقت نفسه، يتشوه المجتمع الإسرائيلي المدافع أو القابل أو الصامت على هذه السياسة، ولحسن الحظ توجد أقلية إسرائيلية من أفراد ومجموعات ومنظمات ونخب ثقافية وفنية ترفض وتتصدى لهذه السياسة بعد أن أدركت الخطر والثمن الباهظ الذي ستدفعه وربما يدفعه كل إسرائيلي، أخذا بمقولة: «إن شعبا يضطهد شعبا آخر لا يمكن أن يكون حرا»، ولا يمكن أن يكون طبيعيا، وهو معرض للنبذ والعزلة والعقاب من الشعوب والدول الأخرى، ليس لأنه يهودي بل لأنه يشارك أو يؤيد أو يصمت على جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية.
ولا شك في أن مواقف إدارة ترامب لها باع طويل في دعم وحماية وتمرير السياسات الإسرائيلية التي تؤدي إلى الحل الفاشي كمصادرة أراضٍ وقرصنة مالية وغزو استيطاني وتطهير عرقي. وكان لافتا إلغاء إدارة ترامب للعقوبات ضد مستوطنين ومنظمات مارست جرائم بحق المواطنين الفلسطينيين، الإلغاء تشجيع لعصابات عنصرية فاشية على قتل الأبرياء واستباحة الأرض وارتكاب تطهير عرقي وحرق المزروعات والأشجار وسرقة الأغنام.
أما موقف الاتحاد الأوروبي الذي طالما جرى التعويل عليه استنادا للمبادئ التي وضعها في اتفاقاته مع كل الأطراف بما في ذلك إسرائيل. فقد اتسم بالتردد وعدم الوضوح واللا حسم، كان دائما يقدم الوعود ولا يكملها بقرارات ويبرر ذلك بفيتو أوربان رئيس الوزراء المجري السابق. فقد جمد إجراءاته ضد الإرهاب الإسرائيلي بعد إلغاء إدارة ترامب للعقوبات، ولم يتخذ أي مواقف ضد حرب الإبادة والجرائم التي وثقتها المنظمات الحقوقية في قطاع غزة باستثناء بعض دوله، ولا ينفذ قرارات مقاطعة سلع المستوطنات إلا جزئيا، ويخضع معظم الأوقات للابتزاز الإسرائيلي. لقد استفزت بعض دول الاتحاد الأوروبي من إساءة معاملة نشطاء أسطول فك الحصار عن غزة، ولكنها لم تستفز من حرب الإبادة والتهجير والتجويع والتطهير العرقي ضد شعب آخر.
جاء في المادة 2 من اتفاقية التجارة الحرة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي: إن العلاقات بين الأطراف، وكذلك جميع أحكام هذه الاتفاقية، تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، التي تشكل أساساً للسياسة الداخلية والخارجية للأطراف، وتشكل عنصراً أساسياً من هذه الاتفاق. المادة هي شرط قانوني مشترك في جميع اتفاقات الشراكة تفعل بشكل مباشر وقانوني وسياسي صارم ضد ايران وروسيا والمغرب وتونس وغيرها لكنها تستخدم بشكل محدود ورمزي ضد إسرائيل رغم فداحة الانتهاكات الإسرائيلية. مع العلم أن الاتحاد الأوروبي يعتبر الشريك التجاري الأول لإسرائيل. فقد بلغت واردات الاتحاد الأوروبي من إسرائيل 15.9 مليار يورو وبلغت صادراته إلى إسرائيل 31 مليار يورو في العام 2025.
كان لالتزام الاتحاد الأوروبي بالمادة التي تضع احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية شرطا في اتفاقاته مع الدول المذكورة أثر إيجابي ملموس ومشجع، لجهة الحد أو تخفيف الانتهاكات ولجهة بناء ثقة مع الشعوب المستفيدة من هذا الشرط. وكان لعدم الالتزام الأوروبي بهذه المادة في اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل أثر سلبي شديد ومتنافر مع ابسط أشكال العدالة الإنسانية، لا سيما أن التهاون الأوروبي شجع على التمادي الإسرائيلي في انتهاك حق الإنسان الفلسطيني في الحياة وفي الحصول على الغذاء والدواء والتعليم والعمل والحركة وفي احتفاظه بأرضه ومحصولاته. بدا للشعب الفلسطيني ولشعوب الاتحاد الأوروبي ولشعوب العالم أن الاتحاد الأوروبي باستثناء بعض الدول يقدم نموذجا للمعايير المزدوجة النافرة. حتى الفن لم يسلم من ازدواجية المعايير عندما عاقب الاتحاد الأوروبي روسيا ومنعها من المشاركة في مسابقة اليورو فيجين بسبب اجتياحها لأوكرانيا، لكنه برر مشاركة إسرائيل في المسابقة لأنه لا يريد إقحام السياسة في الفن ولم تكترث المفوضية الأوروبية لمقاطعة اربع دول أوروبية للمسابقة احتجاجا على المشاركة الإسرائيلية، ولم تقم وزنا لرأي عام أوروبي متعاظم رافض للانتهاكات الإسرائيلية الفاقعة لأبسط حقوق الإنسان. بل لم تكترث لمواقف فنانين إسرائيليين ويهود طالبوا دول العالم بمعاقبة إسرائيل لثنيها عن ارتكاب جرائم حرب وللحد من اندفاعة الانتقام الإسرائيلية المؤيدة لحرب الإبادة.
في تطور جديد، ارتأت المفوضية تعليق بعض الامتيازات التجارية وفرض عقوبات على وزراء متطرفين وعلى مستوطنين يمارسون العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقد أدرج 9 أفراد و5 منظمات استيطانية منها «فتيان التلال» ضمن نظام عقوبات يجمد حساباتهم ويحظر دخولهم إلى بلدان الاتحاد الأوروبي وتعليق الامتيازات للسلع المنتجة في المستوطنات كصادرات لا تنطبق عليها الاتفاقية وكأنها من دولة ثالثة بمعزل عن اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين. هل هذا القرار الذي يستهدف المستوطنين والقرار الذي يستهدف بن غفير يشكلان بداية استخدام أدوات قانونية واقتصادية للضغط على إسرائيل بسبب انتهاكاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هل بدأنا نشهد ضغطا سياسيا متصاعدا على إسرائيل؟ لا شك في أن الأثر السياسي لا يزال رمزيا لكنه يفتح الأبواب نحو مزيد من الضغط الذي يستهدف الرأي العام الإسرائيلي ويعمل على نقله من فوق القانون إلى تحت القانون أسوة بجميع الشعوب والدول. ما هو مؤكد أن صورة إسرائيل كدولة تمارس حرب إبادة وتنتهك القانون الدولي تنفضح اكثر من أي وقت مضى وتحرج أكثر فأكثر الحلفاء الاستراتيجيين، ولا يمكن بقاء الحال على ما هو عليه.