بعد مرور 32 شهر تقريبا على أحداث 7 أكتوبر 2023، أصبح مطلوبا أن يتم تشكيل لجنة خاصة لدراستها، وما ترتب عليها من آثار تدميرية لا تتعلق بمن قام بتنفيذها فحسب، بل ما أصاب جوهر القضية الوطنية الفلسطينية ومستقبل المشروع الوطني العام، وفتح باب نكبة تفوق في كارثيتها النكبة الكبرى الأولى 15 مايو 1948.
الحديث عن تشكيل لجنة وطنية للتدقيق في مختلف جوانب الحدث الذي هز أركان المشروع الفلسطيني، ونافذة عبور نحو ترتيبات إقليمية جديدة، بعيدا عن العواطف التي حكمت غالبية مواقف الأطراف الفلسطينية، أو رد فعل شعبي جراء مخزون الإبادة، لكن ذلك لا يجب أن يحجب الرؤية الشمولية كي لا تتبخر مع قادم الأيام.
تشكيل اللجنة الوطنية يبدأ من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وتنال موافقة المجلس المركزي بصفته برلمان دولة فلسطين، لتحصينه بالقدر الممكن، يضع الإطار العام لمسببات التشكيل والأهداف التي ترمي لها، ومكوناتها القانونية السياسية، بعيدا عن مواقف مسبقة، وأن تنعزل بكل عواطفها عن مسار الأحداث، بما فيها نتائج تالية للحدث.
تحديد إطار عمل اللجنة يبدأ من تناول الأجواء المحيطة بما كان قبل يوم 7 أكتوبر 2023، داخل دولة الاحتلال، والتحركات الشعبية الغاضبة جدا ضد ما يعرف بـ "الثورة القضائية"، خاصة تطورات الخلاف الحاد بين "العلمانيين" و"المتدينين"، وكاد أن يؤدي لنشوب مواجهات مسلحة تماثل مظهرا من مظاهر الحرب الأهلية.
أحداث الصدام الداخلي في دولة الاحتلال ما قبل 7 أكتوبر 2023، دفعت غالبية يهود العالم وخاصة العاملين في الإعلام الأمريكي، الاستنجاد برئيس الولايات المتحدة جو بايدن التدخل لإنقاذ "الدولة" من نتنياهو وحكومته قبل "خراب الهيكل الثالث"، كما قالوا، ما يشير إلى أن المواجهات الداخلية وصلت إلى مرحلة قد تخرج عن السيطرة، لتذهب إلى ساحة دموية.
وفجأة، جاء الحدث المفاجئ يوم 7 أكتوبر 2023، ليعيد ترتيب أولويات المشروع التهويدي، وينقذ دولة الكيان من خطر حرب داخلية، وفتح الباب واسعا للبدء في مشروع إقليمي جديد، وهو ما أعلنه رئيس حكومة الفاشية اليهودية، نتنياهو يوم 9 أكتوبر 2023، أي بعد 48 ساعة من "غزوة غزة"، وكره قبل 2026، بتحديده أن هناك محور جديد بدأ يتشكل من دلهي إلى كوش.
بالتأكيد، كمية الأسئلة حول عملية 7 أكتوبر 2023 قد تفوق ما غيرها، لما لها من أثر فاق ما بدأ الحديث عنه، أسئلة ترتبط من الغاية الحقيقة لها، الأدوات المنفذة، هل هناك دور أمني لدولة الاحتلال، خاصة بعدما بدأت المعلومات تتكشف فيما يتعلق بغياب كلي للمؤسسة الأمنية طوال الساعات الستة للعملية، وكأن دولة الاحتلال تم تخديرها بالكامل، لتبدأ في الصحو بعد عودة ألاف العابرين إلى بيوتهم في قطاع غزة "بأمن وسلام".
لجنة وطنية لدراسة كل ما أحاط بها، دون أن تضع "خطوط حمراء" حول أي دافع، ودون ارتعاش من وضع دوائر شك كاملة حول بعض الأدوات، فالبراءة لا تستبق التحقيق الشامل فيما حدث، مع مراجعة دقيقة لمسار الحدث بعد اقتحام جيش الاحتلال قطاع غزة، والسيطرة الكاملة، وارتكاب مجازر حرب وإبادة وتهجير لم يسبق ارتكابها في زمن قياسي، وصفها قادة أوربيون بأنها تفوق ما قامت به الفاشية الألمانية في الحرب العالمية الثانية.
تشكيل لجنة وطنية حول 7 أكتوبر 2023، جزء من حماية الذات الفلسطينية، وتحصينها من تزوير سياسي وأمني حماية لبقايا المشروع الوطني، بعيدا عن رادات عاطفية فعل القهر التاريخي.