نتائج اللجنة المركزية… رسائل القاعدة الفتحاوية رغم هندسة المؤتمر
نشر بتاريخ: 2026/05/17 (آخر تحديث: 2026/05/17 الساعة: 15:18)

لم تكن نتائج انتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح حدثاً تنظيمياً عادياً، بل شكلت محطة سياسية كشفت حجم التناقض بين إرادة القاعدة الفتحاوية ومحاولات توجيه المشهد الداخلي وفق حسابات النفوذ والمحاصصة. فرغم ما رافق المؤتمر الثامن من جدل واسع حول الإقصاء والتهميش والتحشيد، إلى جانب تجاوزات مست المعايير التنظيمية والنظام الداخلي، فإن النتائج النهائية حملت مؤشرات عميقة تؤكد أن حركة فتح ما زالت تحتفظ بقدر من الحيوية الداخلية التي يصعب السيطرة عليها بالكامل.

لقد بدا واضحاً أن هناك جهات سعت إلى هندسة المؤتمر بما يخدم شخصيات بعينها، بعيداً عن معايير الكفاءة والتاريخ النضالي، وفي إطار تكريس نفوذ مراكز القوى داخل المقاطعة. وظهر ذلك من خلال الدفع بأسماء تستند إلى النفوذ والعلاقات أكثر مما تستند إلى الرصيد الوطني والتنظيمي، الأمر الذي أثار حالة من القلق داخل الأطر الفتحاوية حول مستقبل الحركة وهويتها التاريخية.

ورغم هذه الأجواء، جاءت بعض النتائج لتؤكد أن القاعدة التنظيمية ما زالت قادرة على التعبير عن موقفها الوطني. فنجاح الأسير القائد مروان البرغوثي، رغم كل ما قيل عن محاولات تهميشه وإبعاده، يحمل رسالة واضحة بأن أبناء فتح ما زالوا يرون فيه رمزاً للنضال والشراكة الوطنية، وأن حضوره في الوعي الفتحاوي أقوى من أي ترتيبات تنظيمية أو حسابات سياسية ضيقة.

كما أن فوز تيسير البرديني وزكريا الزبيدي يعكس تمسك الحركة بقضية الأسرى باعتبارها جزءاً أصيلاً من هوية النضال الفلسطيني. فالأسرى لم يكونوا يوماً مجرد ملف تفاوضي، بل شكلوا على الدوام عنواناً للكرامة الوطنية والتضحية، ولذلك جاءت هذه النتائج كتأكيد على أن أبناء الحركة ما زالوا أوفياء لمن دفعوا أعمارهم ثمناً للحرية.

وفي السياق ذاته، فإن نجاح أحمد أبو هولي يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية ملف اللاجئين، خاصة في ظل التحديات التي تواجه قضية العودة ومحاولات تصفيتها سياسياً. وقد نجح أبو هولي خلال السنوات الماضية في إضفاء حالة من النشاط والحيوية على دائرة شؤون اللاجئين، الأمر الذي عزز حضوره التنظيمي ورسخ القناعة بأن قضية اللاجئين ستبقى جوهر الصراع الوطني مهما تغيرت الظروف السياسية.

ومن النتائج التي تحمل دلالات مهمة أيضاً، نجاح عدد من الكوادر المقيمة في قطاع غزة، وهو ما يعبر عن رسالة تنظيمية واضحة مفادها أن من يمثل غزة يجب أن يعيش تفاصيلها اليومية، وأن يكون قريباً من معاناة أهلها وتحدياتهم، لا بعيداً عن واقعهم تحت ضغط الحصار والانقسام والأزمات المتلاحقة.

كما أن صعود مجموعة من الوجوه الشابة يؤكد وجود رغبة حقيقية داخل الحركة في التجديد وضخ دماء جديدة في مفاصلها التنظيمية، بعد سنوات طويلة من الجمود وهيمنة الوجوه التقليدية. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، تحتاج اليوم إلى إعادة بناء حقيقية تستند إلى الشراكة والكفاءة وإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة في صنع القرار.

أما نجاح توفيق الطيراوي، فيحمل دلالة سياسية وتنظيمية واضحة على أن قطاعاً واسعاً من أبناء الحركة يطالب بإعادة الاعتبار لمبدأ المحاسبة والمساءلة، وتفعيل النظام الداخلي، وإنهاء حالة التفرد التي أضعفت المؤسسات التنظيمية وأفقدت الحركة جزءاً من حضورها الجماهيري.

في المحصلة، تكشف نتائج اللجنة المركزية أن حركة فتح، رغم كل ما تعانيه من أزمات داخلية، ما زالت تمتلك قدرة على تصحيح بعض المسارات من داخلها. فالقاعدة التنظيمية أوصلت رسائل متعددة تؤكد تمسكها بالثوابت الوطنية، ورفضها الكامل لتحويل الحركة إلى إطار مغلق تحكمه المصالح الشخصية ومراكز النفوذ. ويبقى التحدي الأكبر أمام فتح اليوم هو استعادة روحها الأولى كحركة تحرر وطني تؤمن بالشراكة والديمقراطية والكفاءة، لأن قوة الحركة الحقيقية لم تكن يوماً في الأشخاص، بل في قدرتها الدائمة على تمثيل وجدان الشعب الفلسطيني وآماله الوطنية.