في نهاية مقالنا الأخير، طرحنا تساؤلاً محدداً فيما إذا كان نتنياهو سينصاع إلى اللعبة الداخلية والخارجية، وخصوصاً الأميركية، أم أنه سيغامر بكل شيء، ويورّط الإقليم وربما العالم كله في حرب منفلتة من كل عقلٍ وعقال؟.
عليّ أن أعترف بأن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأمر السهل في ظل تعقيدات الواقع، وفي ظل ملابسات المشهد وتداخلاته.
لكن الأمر كله يستحق عناء المحاولة، بل يبدو هذا التساؤل بالذات
الذي يدور في أذهان المكونات السياسية والأمنية والحزبية الإسرائيلية، والمجتمع الإسرائيلي، وفي دول المنطقة ومجتمعاتها، وفي كثير من دول العالم، بما فيها الدول ذات الصلة بالصراع في هذه المنطقة، كبيرة كانت أم صغيرة، فقيرة أم غنية، غربية أم شرقية، بعيدة أم قريبة.
دعونا نبدأ بالإجابة المباشرة.
المسألة ليست فيما إذا كان نتنياهو سيغامر أم لا، نتنياهو سيغامر حتماً، لكن كيف سيغامر؟ وبأي ذرائع ووسائل؟.
في برنامج «ستون دقيقة»، أفصح نتنياهو عن مكنونات تمثل برأيي خلاصة لم يطرح مثلها من قبل، وتكشف توجهاته الحقيقية، بما في ذلك حدود المغامرة التي سيقدم عليها.
بالصوت والصورة قبل عدة أيام فقط، اعترف نتنياهو بثلاثة اعترافات ستدلّنا على توجهاته وخططه وأهدافه، الخبيثة منها والدفينة، المخادعة منها والصريحة، والممكنة منها والمستحيلة.
الأول هو اعترافه بالهزيمة الكبرى التي مُنيت بها دولة الاحتلال على الساحة الأميركية، وهو الاعتراف الصريح الأول، والوحيد، والفريد من نوعه، وهو اعتراف أخطر بكثير من أي اعتراف آخر في التاريخ السياسي لدولة الاحتلال.
نتنياهو هنا على حق تماماً.
الهزيمة هنا ليست كأي هزيمة، لأن أميركا هي حصن دولة الاحتلال الأول، وقلعتها الأخيرة.
ماذا يعني هذا الاعتراف؟.
هذا الاعتراف يعني أن دولة الاحتلال لم يعد لديها ذلك السلاح القوي الذي كان بحوزتها منذ تأسيسها، والذي تلازم وترافق مع صعود وتسيّد أميركا على العالم الغربي بعد انهيار الإمبراطورية البريطانية، وكذلك الفرنسية، وخصوصاً بعد فشل أو إفشال العدوان الثلاثي على مصر، أو لم يعد قادراً على أن يكون نفس السلاح بعد أكثر من ستة عقود، كان يؤمن لها الدور، والتفوّق، والسند الأقوى، رغم كل التحولات، وكان الراعي والحامي والداعم الأكبر والحاسم في كل السياسات التوسعية والعدوانية الإسرائيلية.
هذا الاعتراف من حيث الجوهر والمضمون هو أكبر متغير سياسي يمكن ــ ليس بما هو أبعد من العقد القادم ــ أن يؤثر على دولة الاحتلال ومشروعها الصهيوني، بل ويمكن من زوايا معينة أن يطال مصيرها ووجودها نفسه.
وهنا، في استباق خبيث، ولكنه شديد الذكاء، طرح نتنياهو مشروع (الفطام)، والذي هو الاستغناء عن المساعدات الأميركية العسكرية «تدريجياً» التي تُقدّر بـ»3.8 مليار دولار سنوياً» في غضون السنوات القليلة القادمة.
الزميل حسن خضر كتب مقالا مهما حول مسألة الفطام ــ وانصح بقراءته ــ: وأوضح فيه أن دولة الاحتلال تحاول في العقد القادم تحويل المساعدات الأميركية إلى شراكة في إنتاج السلاح وتسويقه وذلك بسبب تراجع الدور الأميركي، وتراجع دول المنطقة، وتراجع المكانة الصهيونية في كامل الإقليم،(راجع، حسن خضر، «الأيام»، نقطة ضوء 12 أيار 2026).
لكن الحقيقة في اعتراف نتنياهو هو إدراكه لحجم الكارثة القادمة على دولة الاحتلال حيال هذا المتغير الاستراتيجي الضخم والخطير.
يدرك نتنياهو بحسّه ودهائه أن الأجيال الأميركية الشابة والجديدة قد كشفت واكتشفت زيف الرواية الإسرائيلية، وأن حسّها السياسي والإنساني هو الذي أوصلها، وسيواصل إيصال قطاعات جديدة تباعا، وليس كما ادعى بأن السبب يعود لوسائل التواصل الاجتماعي، وسيحول تداعيات جديدة من بينها، وليس كلها، إلى أن الرأي العام يعود إلى رسائله في المراحل الاجتماعية، في محاولة لتجريد هذه الأجيال من إنسانيتهم ووعيهم وتعاطفهم، وبالتالي فهو يدرك ويعرف بأنه بات محشوراً في زاوية ضيقة، فمن جهة هو يدرك انه أمام آخر قيادة أميركية يمكن أن تجاريه، خصوصاً حيال طموحاته الخاصة، وهو يدرك من جهة أخرى أن مغامرته الأخيرة التي يخطط لها لا يمكن أن تتجاوز حساسية الأجيال الأميركية الجديدة اتجاه المصالح الأميركية، وخطر المصالح الإسرائيلية عليها بعد انفضاح هذه الحالة الحاسمة، والتي بدأت تتكشف بالتدريج في المشهد الأميركي.
ولذلك فإن مغامرة نتنياهو، بقدر ما يتعلق الأمر بهذه الحالة ستكون ــ كما أرى ــ العمل العسكري المنفرد ضد إيران ولبنان، وضد قطاع غزة، بما يمنع الوصول إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، وبما يبقي حالة الحرب متواصلة، كمعارك ودون سقف الحرب الشاملة، أو الكبرى.
ويمكن أن تنطوي هذه المغامرة على قصف أعنف على إيران، بما في ذلك أهداف مختارة من البنى العسكرية، وبعض البنى المدنية، بدرجات متفاوتة، وربما هجمات متفرقة ومتباعدة وتركيز الردود في لبنان وغزة، وقد تمتد إلى العراق واليمن، لفترة قد تمتد إلى حين الانتخابات الأميركية والإسرائيلية.
الاعتراف الثاني، وهو اعتراف لا يقل أهمية عن الاعتراف الأول، وهو في مجمله يعتبر الأول من نوعه بعد كل مرحلة الصراع ما بعد السابع من أكتوبر والذي مفاده أن الحرب على إيران قد فشلت، لأن الأهداف الإسرائيلية، ثم الأميركية، بما في ذلك إسقاط النظام، وضرب ترسانته الصاروخية، قد فشلت، كما فشلت محاولة فك ارتباط غزة ولبنان عن ايران. إضافة إلى العراق واليمن.
وحتى الملف النووي نفسه، فهو إن لم تستكمل الحرب على إيران فهو سيبقى جاثما على صدر أميركا، وعلى صدر دولة الاحتلال، وعلى صدر العالم كله.
لقد اعترف نتنياهو، كما قلنا ورددنا منذ زمن طويل، في ملفات هذه الحرب، إن أهدافها لم تُحسم، وأن مشروع «إسرائيل الكبرى» ما زال متعثّراً وعالقاً ومعلقا، هناك عند المفترق الإيراني والفلسطيني واللبناني وأن الشرق الأوسط الجديد ما زال مشروعاً مفتوحاً على شرق أوسط مختلف، وربما على شرق جديد، ومختلف أيضاً.
هنا بالذات فإن مغامرة نتنياهو ستجد في لبنان مركز الثقل في جر الإقليم إلى معارك كبيرة عبر البوابة اللبنانية، وعبر بوابة غزة، واضحة طبعا، ربما يمنع أي درجة أي من الاستقرار، أو الهدوء ربما يستحضر ويستجلب، ويستولد المزيد والمزيد من التصعيد بالترافق مع الهجمات على ايران.
الاعتراف الثالث هو اعتراف بالفشل في درء أخطار هزيمته في الانتخابات الإسرائيلية، وسقوط الائتلاف اليميني المتطرف، وخصوصاً أن مثل هذا السقوط لن يكون مجرد جولة انتخابية، أو حالة عابرة من تداول السلطة، وإنما سيكون ــ كما عبّر عن مخاوفه ــ «انقلاباً جديداً» ومعاكسا للانقلاب الذي اقدم عليه ويواصل الغول فيه.
لقد خدع نتنياهو كل حلفائه وبقي (يشحشط) بهم حتى أوصلهم إلى هذه اللحظة حافة الغرق والهاوية، ولم يعد مهتما بسقوط ائتلافه لأن المدة المتبقية على الانتخابات، هي عدة أشهر فقط.
أغلب الظن أن مغامرته الداخلية ستعتمد إذا كان قادراً على استثمار المغامرة الخارجية في الانتخابات، أو أنه سيوظفها بشكل معاكس من اجل الانقلاب على الانتخابات نفسها تحت ذرائع الأمن والتهديدات القومي.