الانتخابات الإسرائيلية لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات
نشر بتاريخ: 2026/05/14 (آخر تحديث: 2026/05/14 الساعة: 17:12)

يتابع بنيامين نتنياهو استطلاعات الرأي بدقة، ويقرأ نبض الشارع الإسرائيلي كما فعل طوال مسيرته السياسية. وهو يدرك أن مكانته لم تعد كما كانت، وأن حكومته تواجه تآكلاً متواصلاً في ظل استمرار الحرب، وتفاقم الأزمات الداخلية، واتساع الغضب الشعبي من إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومع ذلك، فإن إدراك نتنياهو لحجم التراجع لا يعني بالضرورة أن نهايته السياسية باتت محسومة، ولا أن المعارضة تقف على أعتاب نصر مضمون.

فالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، متى جرت، لن تكون مواجهة بسيطة بين حكومة فاشلة ومعارضة جاهزة للحكم، بل معركة معقدة بين قوى متقاربة في الوزن والتأثير، تتوزع بين يمين متطرف يقوده نتنياهو، ويمين وسط، ويمين قومي وديني، والمركز، إلى جانب الأحزاب التي تمثل ما تبقى من ما يسمى اليسار الصهيوني، هؤلاء جميعاً يسعون إلى إعادة إنتاج أنفسهم بوجوه جديدة، وقوى مركزية وشخصيات عسكرية وسياسية تحاول تقديم نفسها بديلاً أكثر اتزاناً، مثل غادي آيزنكوت ويائير جولان.

تشير غالبية الاستطلاعات إلى تراجع شعبية الائتلاف الحاكم، لكن هذه المعطيات لا توفر للمعارضة أغلبية مريحة أو قدرة مؤكدة على تشكيل حكومة مستقرة. فما زالت الانقسامات الشخصية والحزبية قائمة، كما أن الصراع على الزعامة لم يُحسم، في وقت يحتفظ نتنياهو بقدرة معروفة على إعادة تشكيل التحالفات واستقطاب شركاء جدد عندما تقترب لحظة الحسم.

ومن هنا، فإن ما تنشره الصحافة الإسرائيلية المعارضة، وعلى رأسها هآرتس، وكذلك بعض الكتاب في معاريف وغيرها لا يعكس ثقة بانتصار وشيك، بقدر ما يعبر عن رغبة في تعبئة الرأي العام والتحذير من أن الأزمة تجاوزت شخص نتنياهو لتطال بنية النظام نفسه.

في العديد من المقالات والتحليلات، يبرز قلق متزايد من أن سنوات حكم نتنياهو الأخيرة أدت إلى تسييس غير مسبوق لمؤسسات دولة الاحتلال، بما في ذلك الأجهزة الأمنية، والشرطة، والقضاء، والإعلام، والخدمة المدنية. وتذهب بعض الأصوات الإسرائيلية إلى اعتبار أن “الدولة العميقة” الحقيقية ليست تلك التي يهاجمها اليمين، بل المسؤولون الذين سخّروا مؤسسات دولة الاحتلال لخدمة مصالح سياسية وشخصية. ولذلك، فإن أي حكومة جديدة لن تواجه فقط مهمة إسقاط نتنياهو انتخابياً، بل مهمة أكثر تعقيداً تتمثل في إعادة بناء استقلالية المؤسسات واستعادة ثقة الجمهور الاسرائيلي بها.

يدرك نتنياهو أن نتائج الانتخابات المقبلة ستحدد ليس فقط مستقبله السياسي، بل أيضاً مصيره القضائي. ولذلك يوازن بين خيار الاستمرار في خوض المعركة حتى النهاية، وخيار التوصل إلى تسوية قانونية قد تسمح له بالانسحاب من الحياة السياسية بشروط أفضل. لكن اتخاذ قرار كهذا يتوقف على عامل أساسي: مدى اقتناعه بأن فرصه في تشكيل الحكومة المقبلة أصبحت محدودة. وإذا تأكد له أن موازين القوى لم تعد لصالحه، فقد يفضل الخروج المنظم بدلاً من مواجهة هزيمة انتخابية مدوية.

ورغم حدة الخطاب السياسي، فإن التنافس يجري في معظمه داخل الطيف الصهيوني ذاته. فالمعارضة، بما فيها شخصيات مثل آيزنكوت ويائير جولان، لا تقدم انقلاباً جذرياً في السياسات، بل تسعى إلى إدارة أكثر انضباطاً وأقل صدامية، وإلى إعادة ترميم مؤسسات الدولة التي أضعفتها حكومات نتنياهو. لذلك، فإن الانتخابات المقبلة لن تحسم فقط من سيجلس في مكتب رئاسة الحكومة، بل ستحدد أيضاً ما إذا كانت دولة الاحتلال قادرة على تصحيح الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، أم أنها ستواصل السير في مسار تركيز السلطة وتسييس مؤسسات الدولة.

الرهان الأساسي لدى قطاعات واسعة من المعارضة الإسرائيلية هو أن الانتخابات تمثل الفرصة الأخيرة لوقف التدهور السياسي والمؤسسي. غير أن هذا الرهان لا يخلو من الشكوك، سواء بسبب عدم ضمان فوز المعارضة، أو بسبب التساؤلات حول مدى استعداد قادتها لاتخاذ قرارات جذرية بحق المسؤولين الذين ارتبطوا بمشروع نتنياهو. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه النقاش الإسرائيلي اليوم لا يقتصر على ما إذا كان نتنياهو سيخسر السلطة، بل يمتد إلى ما إذا كانت دولة الاحتلال تمتلك الإرادة والقدرة على إصلاح النظام الذي أعاد تشكيله خلال سنوات حكمه الطويلة.

في النهاية، تبدو دولة الاحتلال أمام انتخابات مصيرية، لكن نتائجها لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات. وبين نتنياهو الذي يراقب الاستطلاعات ويحاول تأمين خروجه بأقل الخسائر، ومعارضة تتقدم من دون ضمانات، ويبقى المشهد الإسرائيلي رهينة صراع لم يُحسم بعد، ليس فقط على السلطة، بل على طبيعة النظام السياسي نفسه ومستقبل مؤسساته.