ثمة مشهدٌ يكسر نواميس الطبيعة ويدمر يقين الغريزة: قطةٌ تلتهم صغارها بدمٍ بارد. في المنطق الحيوي، تندفع الغزالة إلى جوف التمساح لتفتدي وليدها، فما الذي يدفع الأم لتتحول إلى مقبرةٍ لأبنائها؟
سؤال ألقاني في قعر البحث لأصل لتلك الاجابة الصادمة....
"الخوف"؛ ذلك الخوف الوجودي الذي حين يطول، ينهش الغريزة ويسمم الفطرة. وفي غزة، لم يعد الخوف عارضاً، بل صار ركناً من أركان الهوية ومسرحاً كبيراً يُدار بالرعب.
أكتبُ هذه الكلمات لا بصفتي مراقبةً محايدة، بل بصفتي امرأةً يسكنها هذا الخوف من كل ما حولها، حتى بات الفرح يبدو ريبةً وتوجساً. تباً لهذه السياسة التي شوّهت ملامحنا، وحوّلت غزة من طليعة مشروع تحرر وطني كبرى إلى مجرد "أزمة إنسانية" تُدار بمنطق الطرود الإغاثية وكشوفات المساعدات.
إن القطة في توحشها تعذرها غريزتها المنكسرة تحت وطأة الخوف، أما السياسة التي تنهشنا فلا عذر لها؛ لأن الأنياب هنا ليست قدراً بيولوجياً، بل هي خياراتٌ واعية تُتخذ ببرودٍ خلف الأبواب الموصدة.
في غزة، لم يأتِ الموت ناراً من السماء فحسب، بل تسلل عبر شقوق الأمل الذي نرقبه فجر كل يوم. وبينما تضج الإذاعات ومنصات التواصل بأخبار "المؤتمر الثامن"، والتحالفات التي تلهث خلف المقاعد في زحام الحسابات الضيقة، نجد أنفسنا أمام مؤتمرٍ ضاق بنا قبل أن يبدأ. لقد فُصّلت الوجوه بعناية لتناسب مقاسات القاعة، لا مقاسات الوطن، ولا مقاسات الوجع الميداني الذي يعتصر قلوب الناس.
قد يقول قائل إنني "لا أفهم في السياسة"، ولكنني أفهم يقيناً أن السياسة التي لا تخرج من رحم المعاناة، ولا تملك القدرة على تضميد جرحٍ واحد، هي سياسة "كافرة" لا وطن لها ولا دين. السياسة التي لا تمنح الناس أملاً، هي حكمٌ معلنٌ بالاغتراب والضياع.
يا سادة المؤتمر، أيها المتسابقون بربطات عنقٍ تزيّنكم وتخنقنا؛ غزة لا تطلب عطفاً ولا تنتظر صدقة. غزة تحتاج رؤيةً تعيد وصل ما انقطع بين الجغرافيا والقرار. رؤية تؤمن بأن الشرعية تُنتزع بالفعل والالتحام بالتراب، لا بتعيين ذات الوجوه التي أرهقها التكرار وأرهقتنا.
الحقيقة الوحيدة التي تفرض نفسها اليوم من قلب الركام هي: أن من يطعم الناس ويواسي جراحهم هو الأحق بالتحدث باسمهم، لا من يحرس توازناته ومكتسباته خلف المكاتب المغلقة.
إنكم تغامرون بالتحول إلى خطرٍ حقيقي حين تجعلون السياسة محض غريزة بقاء تنظيمٍ يأكل أبناءه بصمت، ويقدّم مصالح القيادة على أنقاض ما تبقى من الناس. ولأن فتح كانت ولا تزال في وجداننا طوق النجاة، فإن إصلاحها لم يعد مطلباً فئوياً، بل هو استحقاقٌ وجودي لاستعادة الحركة من قبضة التفرد التي أورثتنا هذا الشتات.
أيها المؤتمرون...
أنتم كالأم التي تغرس أنيابها في جسد صغارها، ولكن بينكم وبين القطة فرقٌ جوهري: الغريزة تُعذر حين تختل، أما أنتم فلا عذر لكم. فحين تعجزون عن حماية أبنائكم من الافتراس الخارجي، يصبح لزاماً عليكم ألّا تتركونا فرائس لافتراسٍ داخلي باسم "الضرورة التنظيمية".
إن الأوطان تبدأ بالموت حين تعتاد رؤية أبنائها يُؤكلون.. وتُسمّي ذلك سياسة"