غزة… بين مأزق السلاح وضيق النجاة
نشر بتاريخ: 2026/05/11 (آخر تحديث: 2026/05/11 الساعة: 16:30)

​يوماً بعد آخر، تضيق غزة بساكنيها كجدران زنزانة تتقلص ببطء، بينما يتمدد التاريخ ليرى الغزيون فجأة كل مآسيهم القديمة وقد تكشفت في حرب واحدة. هناك، لم تعد السماء سقفاً، بل صارت غطاءً من حديدٍ ونار، صمّت أذنيها عن الدعاء، بينما تحولت الأرض إلى قبرٍ مفتوح لا يشبع. انهارت مفردات السياسة، ووقفت الأبجدية عاجزة؛ فالأرض التي كانت يوماً بلاداً، ضاقت حتى صارت بمساحة كفن، والبقاء ليس حقاً، بل "انتزاعاً" من أنياب العدم.

​هنا يصدح السؤال الممرّغ بالتراب: هل أهل الخيام هم حراس هذه الأرض، أم أنهم مجرد رهائن في لعبة جغرافيا وقطعة سلاح لا تقبل القسمة إلا على الموت؟

​بين جيل النكبة الذي يشدّ قبضته على "مفتاح صدئ"، وجيل "العدم" الذي لا يحفظ في ذاكرته سوى صدى الانفجارات، وخيبات المصالحة، وعبثية الانقسام، يقف السلاح مبعثراً بين الفصائل؛ سلاحٌ بلا أب شرعي، وبلا مؤسسة تضبط بوصلته.

​جدتي ترى في الرصاصة "درعاً"، لكن الجيل الجديد صار يرى في السلاح "جدار سجن" حين عميت بصيرة حامليه. هذا السلاح لم يكن ترفاً، بل كان صرخةً مشروعة في وجه غابة دولية خرساء، لكنه تحول من "إجابة" إلى "مأزق" حين استُنزف الدم بلا أفق سياسي، وصار أداةً لإدارة الجوع داخل القفص الكبير.

​لقد انحدر بنا هذا السلاح من الحلم بـ "وطن" إلى الصراع المرير على "مكان في طابور". لقد قامَر بمليوني حلم في سوق "أوهام النصر"، ورسم مشهداً سياسياً هشاً كأقمشة الخيام؛ يطلق وعوداً لا تقي من البرد، ويمنح وهماً بالأمان بينما البيوت تنهار.

​هذا ما يحدث حين تتوهم الأيديولوجيا أنها بديلٌ عن الخبز والحرية؛ فتجد نفسها فجأة أمام مقصلة "شرعية الوجود".

​دون مواربة... ودون تجميل للقبح:

المقاومة في غزة أخطأت حين ظنت أن السلاح وسيلة لفرض المنطق على أهل الدار، وأخطأت حين حوّلته إلى قبضة أمنية تخنق التعددية، وأخطأت ثالثة حين قادت الناس إلى مغامرة هي الأكثر جرأة في التاريخ، والأكثر فداحة في الخسارة. واليوم، هذا السلاح المطلوب دولياً، بات يحتمي بصدور الغزيين، ليصبح الخوف الأكبر: أن يبقى السلاح ليجزّ رقاب الفلسطينيين مرة أخرى، أو يحكمهم بقوة "الأمر الواقع" لعشرين عاماً من التيه.

​نزع السلاح ذلّ، وبقاؤه بصيغته الحالية انتحار.

سلاحٌ يدفع ثمن خطايا الأيديولوجيا، فتُباع دماء الناس في الغرف المغلقة كـ "خردة سياسية".

​بينما تنتظر غزة مؤتمرات "اليوم التالي" الغامضة، يدهسها "اليوم الحالي" بثقله الوحشي. غزة اليوم، بسلاحها وإنسانها، تحتاج إلى "مشروع نجاة" يقدس الروح قبل الشعارات. فما قيمة القفص، وإن طُلي بذهب "الكرامة"، إذا مات العصفور بداخله رعباً أو جوعاً؟

​الخيار اليوم ليس بين الركوع أو الفناء، بل بين سياسة مسؤولة تحمي الأرواح، أو عبث طفولي يقتات على المأساة. الانتصار الحقيقي لن تقيسه أجهزة الرصد بمدى الصواريخ، بل بضحكة طفل ينظر إلى السماء دون أن يتوقع منها موتاً، وبقدرتنا على تحويل هذا الركام إلى بيوتٍ دافئة، لا إلى منصات لوعودٍ زائفة لا تُطعم جائعاً ولا تردّ غائباً.