في كل مرحلة تمر بها الشعوب والأحزاب الكبرى يخرج من يحاول مصادرة الرأي وكأن النقد أصبح جريمة وكأن الاختلاف خيانة بينما الحقيقة أن أي حركة تحرر لا تخضع للنقد والمراجعة تتحول مع الوقت إلى جسد فاقد للحياة وما نشهده اليوم من حالة غضب أو انتقاد داخل الساحة الفتحاوية هو أمر طبيعي وصحي إذا كان الهدف منه التصحيح واستعادة البوصلة الوطنية لا الهدم ولا تصفية الحسابات ولا المزاودة على تاريخ أحد
فتح ليست قصيدة تكتب دفاعا عنها وليست منشورا عابرا يحتاج إلى من يلمع صورته فتح أكبر من ذلك بكثير هي أم الشهداء والأسرى والمناضلين وأقدم حركة تحرر وطني فلسطينية حملت القضية الفلسطينية على أكتاف رجالها ونسائها إلى العالم وقدمت من الدم والتضحيات ما لا يستطيع أحد إنكاره أو شطبه مهما اشتدت الخلافات السياسية أو التنظيمية
لكن احترام التاريخ لا يعني تزوير الحاضر أو الهروب من الحقيقة فالحركة اليوم تمر بأخطر مراحلها أزمة وجود حقيقية تضرب بنيتها وقرارها ودورها الوطني فتح التي كانت تقود المشروع الوطني أصبحت حركة مثقلة بالترهل مختطفة الإرادة فاقدة للبوصلة تعاني من اختلالات وانحرافات عميقة تهدد بتآكلها وتفكك حضورها التاريخي إن استمر هذا المسار
وما يجب أن يقال بوضوح إن داخل الحركة رجالا وطنيين لم يصمتوا يوما أمام هذا الانحدار تيارات وقواعد وكوادر قاومت بقدر ما استطاعت وطرقت جدار الخزان لسنوات طويلة وخاضت معارك سياسية وتنظيمية وإعلامية في مواجهة نهج عباس وزمرته دفاعا عن روح فتح الحقيقية وعن مشروعها الوطني الذي يجري تفريغه يوما بعد يوم
وقد دفع كثيرون ثمن هذا الموقف فصلا وقطع رواتب وطردا وملاحقة وتشويها وسجنا فقط لأنهم رفضوا أن تتحول الحركة إلى هيكل فاقد للحياة أو أداة بعيدة عن وجدان شعبها وتاريخها
ومن هنا فإن من حق كل إنسان أن يعبر عن رأيه كما يشاء وأن ينتقد ويعارض ويكشف مواطن الخلل لكن النقاش المسؤول لا يكون عبر الشتائم ولا عبر المزاودات الشعرية والانفعالات العابرة النقاش الحقيقي هو الذي يفتح طريقا للمراجعة ويؤسس لرؤية وطنية قادرة على إنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني ومن روح الحركة التي كانت يوما عنوانا للكفاح الفلسطيني
الحديث اليوم يجب أن يكون عن فتح كحركة تحرر وطني كانت تمتلك مشروعا وثقافة نضالية وروحا جامعة أما الواقع الحالي فهو واقع مؤلم لا يمكن تجميله ولا الهروب منه لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر هو أن تفقد بوصلتها وتبتعد عن شعبها وتاريخها
وتطرد مناضيلها واسودها
الله غالب