يشهد جنوب لبنان تصعيدًا عسكريًا متواصلاً، وسط مؤشرات على تحوّل في طبيعة العمليات الإسرائيلية، التي باتت تتجاوز الغارات التقليدية نحو ما يوصف بمحاولة إعادة تشكيل الجغرافيا عبر الضغط العسكري وإخلاء المناطق من سكانها.
وفي هذا السياق، يرى الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني أن ما يجري يعكس انتقالًا من “الغارات المحدودة” إلى نمط أشبه بـ“اجتياح جوي”، لا يهدف إلى التوغل البري المباشر بقدر ما يسعى إلى تفريغ المناطق الحدودية من الحياة والبنية التحتية.
ويشير جوني إلى أن عمليات الإخلاء الموجهة للسكان لم تعد مجرد تحذيرات، بل أصبحت جزءًا من منظومة عسكرية تبدأ بالإنذار ثم تتبعها ضربات مركزة، وصولًا إلى استهداف البنى الحيوية في القرى الجنوبية، ما يؤدي إلى خلق نطاقات واسعة خالية من السكان تدريجيًا.
وبحسب التحليل، تعتمد هذه الاستراتيجية على ضغط ناري متعدد المحاور يمتد من جنوب نهر الليطاني باتجاه الشمال، مع ضربات تمتد شرقًا نحو البقاع الغربي وغربًا باتجاه الساحل، في محاولة لإعادة رسم خطوط السيطرة دون دخول بري واسع.
في المقابل، يواصل حزب الله تنفيذ عمليات محدودة النطاق، تركز على استهداف القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية وعلى خطوط التماس، مع الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة الانقضاضية.
وتُعد هذه المسيّرات من أبرز التحديات الميدانية لجيش الاحتلال، نظرًا لصعوبة رصدها واعتراضها، في ظل خصائصها التقنية التي تجعلها سريعة وصامتة وصغيرة الحجم.
ورغم محاولات التصدي لهذه التهديدات بوسائل دفاعية محدودة، يرى خبراء عسكريون أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية لمعالجة التهديد بشكل جذري، وتقتصر على تقليل الخسائر الميدانية.
ومع استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق يُشتبه بأنها مصادر لإطلاق المسيّرات، يبقى الوضع مفتوحًا على مزيد من التصعيد، في ظل ترقب لما قد تحمله المرحلة المقبلة من تطورات ميدانية.
يُذكر أن الاحتلال كانت قد بدأت في مارس/آذار الماضي حملة جوية واسعة على لبنان، ترافقت مع توغلات برية محدودة، ضمن مساعٍ لإقامة “منطقة عازلة”، فيما تستمر العمليات العسكرية رغم إعلان وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان الماضي.
وأسفرت الهجمات منذ مارس/آذار عن سقوط آلاف الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من سكان الجنوب، في ظل استمرار التوتر على طول الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.