المشكلة ليست مع إيران فقط
نشر بتاريخ: 2026/05/05 (آخر تحديث: 2026/05/05 الساعة: 18:26)

ربما كانت إسرائيل أكثر دولة في العالم تعرف تفاصيل الولايات المتحدة الداخلية منها والخارجية، وذلك بحكم العلاقة التي ما زالت توصف بالإستراتيجية الخاصة بينهما، والتي لا تشبهها أي علاقة أخرى بين دولتين، لا علاقة الولايات المتحدة مع جاراتها في أميركا الشمالية والوسطى، ولا علاقتها التاريخية التي قامت على الشراكة مع دول الاتحاد الأوروبي، بما فيها بريطانيا، التي تعتبر كما لو كانت «الأب البيولوجي» لدولة الولايات المتحدة الأميركية، ولسنا هنا بوارد إثبات ذلك، فمعرفة الداخل الأميركي جيداً هي بين يدي «اللوبي الصهيوني» الذي تحكّم طويلاً في كل مبنى الإدارة الفيدرالية، التشريعية، عبر انتخابات الكونغرس بمجلسَيه، أو التنفيذية، من خلال الانتخابات، أما ما يخص السياسة الخارجية، فوقوف أميركا لجانب «دولة» إسرائيل، حتى وهي ترتكب جريمة حرب الإبادة الجماعية، إن كان بالدعم العسكري المباشر، أو بالتغطية السياسية والمالية، خير دليل، على أن إسرائيل تتحكم بالإدارة الأميركية، أكثر مما تتحكم أميركا بها، ولعل استعراضاً سريعاً للعلاقة السياسية بين بنيامين نتنياهو وكل من جو بايدن ودونالد ترامب خلال الأعوام الثلاثة الماضية، يؤكد تماماً ما نقول.

فكثيراً ما عبّر بايدن عن إحباطه من نتنياهو، حين لم يكن يصغي إليه، أو حين كان يرفض أن يقدم له ولو «ورقة توت»، تبرر له استخدامه لحق النقض في مجلس الأمن، ضد مشاريع القرارات التي كانت تطالب إسرائيل بوقف حرب الإبادة، خاصة حين كانت حتى بريطانيا تصوت إلى جانب مشاريع تلك القرارات، وكأن لنتنياهو «واجب الطاعة» على بايدن، أي أنه يتوجب على أميركا أن تقف إلى جانب إسرائيل، دون نقاش، ودون أن تشاركها في قرار الحرب، وكأن إسرائيل، هي التي تقدم الدعم المالي والسياسي لأميركا وليس العكس، والحقيقة أن إسرائيل حتى الإدارة رقم 44 أي قبل عشر سنوات، حتى فيما يخص مستقبل إسرائيل، بالتحديد ملف الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، كانت هي من تقرر، ولم يكن بإمكان أميركا أن تلزمها بما لا ترغب فيه، وأقصى ما وصلت إليه واشنطن في هذا الأمر، كان في عهد الرئيس جورج بوش الأب عام 1991 حين أجبر إسرائيل على المشاركة في مؤتمر مدريد، بعد أن ووجهت أميركا بما سمّي في حينه الكيل بمكيالَين، لأنها خاضت حرباَ عسكرية ضد العراق، بسبب احتلاله الكويت، وكان ذلك في العام التالي لاحتلال العراق للكويت، بينما كانت لا تزال تغض الطرف عن احتلال إسرائيل لفلسطين ولأراض عربية أخرى، منذ 24 عاماً مضت حتى ذلك الوقت، وحين ذهبت إسرائيل دون علم واشنطن إلى مفاوضات أوسلو، باركتها لاحقاً، وهكذا سارت الأمور إلى عهد باراك أوباما ما بين عامَي 2008 - 2016.

وأبعد ما وصلت إليه إسرائيل، بعد أن وضع أوباما هدفاً له أمام عينيه، يتمثل بإجراء المصالحة مع العالم الإسلامي، بعد حربَي أميركا على العراق وأفغانستان، هو الدفع بملف السلام بين فلسطين وإسرائيل، ولم يستطع نتنياهو أن يعلن صراحة رفضه للتفاوض، بل لم تسمع أصوات اليمين التي تطلق حالياً برفض الدولة الفلسطينية، أو بتغيير الشرق الأوسط، أو بتهجير الشعب الفلسطيني، أو إقامة المناطق الأمنية إضافة إلى تلك المحتلة التي تأكل من جسد الأرض اللبنانية والسورية، بل وكان نتنياهو نفسه هو رئيس الحكومة على الجانب الإسرائيلي، وأبعد ما ذهب إليه كان أن راوغ، ووضع العراقيل في طريق وزير خارجية إدارة أوباما خلال ولايتَيها نقصد جون كيري وهيلاري كلينتون، حتى أغلق مسار التفاوض فعلياَ عام 2014، وبالضد من رغبة وإرادة تل أبيب، ذهب أوباما إلى اتفاق 5+1 مع إيران، الخاص ببرنامجها النووي.

من الواضح أن مستوى تحكم وليس فقط تأثير إسرائيل على إدارة البيت الأبيض منذ الإدارة 44 أي الرئيس أوباما وخلال ولايتَي ترامب 45، و47 الحالية، وما بينهما إدارة بايدن ذات الرقم 46، قد ذهب بعيداً، لدرجة أن إسرائيل التي نجحت في دفع ترامب للتنصل من اتفاق أوباما النووي مع إيران عام 2015، وذلك عام 2018، قد ذهبت أبعد من ذلك بكثير، بزجّه في حربها العسكرية في الشرق الأوسط، وبشكل مباشر، وذلك مرتين، كانتا ضد إيران العام الماضي في حزيران والعام الحالي. والحرب الإسرائيلية على الشرق الأوسط، وفي نهاية مطافها على إيران، عليها إجماع داخل إسرائيل، خاصة لأنها نجحت في خوضها بالشراكة مع أميركا، أقوى دولة عسكرياً في العالم، ولو كان الأمر غير ذلك، لما تمتعت تلك الحرب لا بإجماع داخلي ولا حتى بتأييد الأغلبية، على عكس ما هو الحال داخل أميركا نفسها، حيث الأغلبية ضد خوض ترامب تلك الحرب، لأن الشعب الأميركي يعرف جيداً أن جيشه يخوض حرب إسرائيل، وتحت شعار «إسرائيل أولاً»، وليس «أميركا أولاً» كما قال ترامب من قبل.

لكن مسار الحرب لم يسر كما اشتهت إسرائيل، ولا كما توقع الأميركيون، أو كما صور لهم «الموساد» الإسرائيلي، فرغم خوض أعتى قوة عالمية أتون تلك الحرب، إلا أن إيران لم تسقط، وقارعت أميركا بجدارة عسكرية، كما يقارع «حزب الله» الآن إسرائيل بقوة عسكرية لافتة، وكما وقفت غزة أكثر من عامين في وجه قوة إسرائيل العسكرية العاتية، التي استخدمت حرب الإبادة لتجبر السكان على الهجرة، لأنها فشلت بتحقيق النصر العسكري الخاطف أو السريع، وفشلت في فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني الصامد في غزة، والصامد سياسياً في الضفة الغربية في مواجهة حرب المال لإسقاط السلطة، لأنها تحمل فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وخير دليل اليوم على أن أفق أميركا العسكري في الشرق الأوسط بات مسدوداً هو آخر فصل تفاوضي، حيث إن المتابع لما يعلن عنه من اقتراحات للاتفاق بين الطرفين، لا بد أن يلاحظ أن إيران هي الطرف الذي بات يقدم اقتراحات الحل، بعد أن كانت أميركا ترسل عبر الوسيط شروطها وتنتظر الموافقة الإيرانية عليها، التي كانت تعني الاستسلام، نظراً لطبيعة تلك الشروط، وبات ما ينتظر أميركا بعد أكثر من ثلاثة أسابيع على انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، دون تجديدها أو إعلان العودة عنها، ما بين عملية عسكرية مستحيلة أو اتفاق أسوأ كثيراً على أميركا من اتفاق أوباما.

ومن يحاول أن يفسر السبب الذي منع إيران من السقوط، كما كان حال فنزويلا مثلاً، لا بد له أن يرجع السبب لعدة عوامل، أولها هو أن إيران وحلفاءها أعدوا أنفسهم جيداً لهذا اليوم، والحقيقة أن إيران منذ ثورتها عام 1979، وهي تواجه أميركا سياسياً واقتصادياً، ما عزز لديها إرادة التحدي، وإسرائيل كانت تعرف هذا جيداً، خاصة حين كانت تراقب غزة، منذ أن غضت الطرف عن الاقتتال الفلسطيني الداخلي، فكانت ترى في تنامي قوة «حماس» إغلاقاً لباب المصالحة الداخلية، لكنها ما كانت تقوى على شن الحرب على إيران وحدها، ودليل ذلك أنها حاولت دفع أميركا لأن تفعل في إيران ما فعلته بالعراق، لأنها تعرف تماماً، أن هذه هي «فرصتها» الأخيرة لتخوض أميركا الحرب بالنيابة عنها في الشرق الأوسط، قبل أن تفقد الدولة العظمى عرشها العالمي.

وإسرائيل تعرف جيداً أن النظام العالمي الأميركي يعيش أيامه الأخيرة، لذا سعت إلى استغلال اللحظة لتوسيع مساحتها الجغرافية، ولتضاعف نفوذها الإقليمي عسكرياً واقتصادياً، بتدمير أكبر قوة مناهضة لها في الإقليم، وبكل بساطة يمكن لأي مقارنة أن تنتهي إلى هذه النتيجة، حين يجري التفكير في أن أميركا ومعها إسرائيل عجزتا عن تحقيق الانتصار على إيران، فكيف كان سيكون حالهما، لو أن إسرائيل واجهت إيران وحدها، أو لو أن أميركا خاضت الحرب ضد الصين وروسيا، أو حتى ضد الصين وحدها؟!

ولا شك أن أحد العوامل أيضاً، التي منعت إيران من السقوط، كان الدعم السياسي الواضح للصين وروسيا، وهذا ظهر في مجلس الأمن، بل وعلى الأرجح أيضاً كان هناك دعم عسكري، من مثل تزويد إيران بصور الأقمار الصناعية التي زودت قواتها المسلحة بإحداثيات القواعد الأميركية، وربما تم تزويدها بصواريخ ما أو ذخائر، وهذا الاحتمال كان أقل خلال الحرب، لكن ربما زادت نسبته خلال نحو شهر من وقف إطلاق النار الحالي، بذلك فإن الحرب الأميركية لم تكن على إيران فقط، بل كانت تجسيداً للحرب الأميركية الاقتصادية على العالم، التي بدأها ترامب بالتعرفة الجمركية، ورغم ذلك خسرها مع الصين، فالأرقام تشير إلى أن الصين حققت فائض أرباح في ميزانها التجاري خلال العام 2025، عام الحرب الجمركية، بما قيمته 1.3 تريليون دولار، مقابل عجز في الميزان التجاري الأميركي بلغ 1.2 تريليون دولار، فهل هناك بعد هذا شك، بوجود انقلاب في النظام العالمي؟!