ترامب ونتنياهو: «التقاسم الوظيفي» في إدارة الفشل!
نشر بتاريخ: 2026/04/30 (آخر تحديث: 2026/04/30 الساعة: 16:48)

كما بات واضحاً، وكما بات مُعلناً، أيضاً، فقد «اختار» رئيس أميركا دونالد ترامب من بين كل الخيارات التي يُقال، إنها عُرضت عليه، بما فيها العسكرية.. اختار ترامب «اللجوء» إلى استمرار الحصار البحري، وذلك في محاولة منه لتحويل طول أمد الحصار إلى سلاح للتجويع والتركيع، أو على الأقل، فرض التراجع على إيران في لعبة عضّ الأصابع التي تُدوّر من خلالها زوايا المعركة التفاوضية.

لكي لا يتم الاعتراف بالفشل، هرب ترامب من استمرار الحرب، واستئناف العمليات العسكرية التي كان يهدّد بها، والتي ادّعى أنها كانت ستكون قاتلة ومدمّرة، وإنها لن تبقي ولن تذر، واختار من خلال هذا الهروب أهون الشرّين، شرّ الحرب، وشرّ الذهاب إلى اتفاق يكرّس الفشل الأميركي البائن.

شرّ الحرب هو أخطر الخيارات لأنه سيتحول إلى ورطة لا يملك ترامب حيال الخروج منها أي حلول سوى مغادرة الإقليم على الطريقة الفيتنامية أو الأفغانية، وفي أقصى وافضل الاحتمالات على الطريقة العراقية.

هذا النوع من الشرّ أصبح خلف الجميع، على ما يبدو، وتحول الأمر برمّته إلى حصار بحري لا بد أنه سيؤثر على الاقتصاد الإيراني، لكن تأثيره في ظل إغلاق مضيق هرمز لن يقتصر على إيران، وإنما سيمتدّ هذا الأثر على اقتصادات الإقليم، والاقتصادات العالمية بما فيها الاقتصاد الأميركي نفسه.

أما الحديث عن طول أمد هذا الحصار فهو «دعائي» محض، لأن أزمات الطاقة والغذاء والأسواق، وأزمة الدولار ستزداد تفاقماً على كل تفاقم سابق.

إزاء كل هذا الواقع المرّ والثقيل على ترامب أصبح «الحلّ» الوحيد الممكن أمامه هو تقاسم الدور الوظيفي لهذا الواقع أو العبء مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وتقسيم «المهمّات» طوال فترة عضّ الأصابع، وتدوير زوايا المعركة التفاوضية.

لا يستطيع ترامب كسر الجرّة مع دول الإقليم حتى الآن على الأقل، ولا يستطيع التغاضي عن مواقف الأوروبيين، ولا حالة الأسواق في العالم، ولا عن الوضع الداخلي الأميركي، خصوصاً الوضع الاقتصادي، ولذلك فهو يتلاعب بكلّ هؤلاء، يأخذهم يميناً وشمالاً، ويصرّح هنا وينفي هناك، ويُبقي الجميع في دائرة الحيرة واللهاث خلف بهلوانيات سياسية لا يربطها ببعضها بعضاً سوى ما يدور في عقله هو، وما يُخيّل له، أو ما يُزيّن له إلى درجة أن مستشار ألمانيا فريدريش ميرتس تحت شدّة الإحراج الذي وصلت إليه الأمور صرّح علناً بأن ترامب «لم يعد يعي ما يقول».

مع نتنياهو الأمر مختلف، والفرق يكمن في لعبة أخرى، لها قواعدها، وأصولها وتحديداتها، وهوامش «اللعب» محصورة في مجالات ضيّقة، وغالباً ما تتعلّق بالتنسيق وليس بالتلاعب نفسه، وأحياناً يكون هذا التنسيق على درجة عالية حتى بالإيحاء أن ترامب لم يتشاور مع نتنياهو، في حين أن هذا التشاور يكون قد تمّ مسبقاً، ويكون الاتفاق على طريقة «إخراج» هذا الهامش من اللعبة.

هناك كما أثبتت تجارب العلاقة بين الإدارة الأميركية والائتلاف الحاكم في تل أبيب قواعد ناظمة لإدارة العلاقة عموماً، ولإدارة الأزمات تحديداً.

القاعدة الأولى، إن الإدارة الأميركية الحالية لأسباب معروفة للجميع، ومدركة من قبل الجميع، أيضاً، لا يمكنها أن تقوم أو تقدم على أي سياسات أو إجراءات سياسية أو حتى غير سياسية دون أن تأخذ بالحسبان والاعتبار المصالح الإسرائيلية أولاً، وقبل أي مصالح أخرى من كامل دائرة حلفاء أميركا.

وتقع المصالح الإسرائيلية في قلب وصُلب الاهتمام والأولوية على المستوى الأوسع من الإقليم، وفي مجالات واسعة بما فيها الاستخبارية الخاصة، والصناعات الدفاعية، والكثير من المجالات التقنية عالية الدقّة وعالية السرّية.

بين الإدارة «الترامبية» والحكومة الإسرائيلية يوجد من الأبعاد الأيديولوجية والثقافية ما هو أكبر من اي علاقة أمروإسرائيلية سابقة، بما في ذلك الحكومات الأميركية «الجمهورية» كلها وذلك لحدّة الأزمة التي تلمّ بهما، حتى تحوّلت المسألة إلى نوع من المصيرية السياسية الموحّدة، وخصوصاً بعد أن ثبت على أكثر من وجه وصعيد بأن إدارة ترامب باتت في موضع الابتزاز القوي من قبل جماعات الضغط الإسرائيلية، والأوساط «الجمهورية» الأكثر عنصرية ورجعية.

القاعدة الثانية، هي شمول المصالح الإسرائيلية في الإستراتيجية الأميركية للسياسة الخارجية إلى درجة أنه لا توجد سياسة خارجية أميركية تتعلّق بالصراع في الشرق الأوسط، وإنما مصالح إسرائيلية أولاً وعاشراً دون أن يعني ذلك تبعيّة السياسة الأميركية من حيث الشكل على الأقل للسياسة الإسرائيلية المباشرة، ودون أن يعني ذلك انعدام بعض الهوامش لقرارات إسرائيلية خاصة ومستقلّة. والقاعدة الناظمة هنا هي، كل مصلحة إسرائيلية كبرى هي مصلحة أميركية، ولكن ليس كل مصلحة إسرائيلية كبرى ليس بالضرورة أن تكون مصلحة أميركية.

لم تكن هذه القاعدة الناظمة للعلاقة الإسرائيلية الأميركية بهذا الوضوح كما هي في مرحلة «الترامبية»، وكما هي في مرحلة الحكومة «اليمينية» الفاشية الحالية في دولة الاحتلال. وهذه هي «المرحلة الذهبية» في تاريخ هذه العلاقة.

القاعدة الثالثة، هي أن العلاقة بالرغم من كل ذلك تمرّ الآن، ويبدو أنها ستمرّ في المستقبل المرئي بأزمات من نوع جديد، وغير المسبوق، ولم يكن بالإمكان أن يتوقع أحد أن تصل إلى هذه الدرجة من احتمالات الاهتزاز و»المخاطر» على «صلابتها» المعهودة. وبالتالي وفي ضوء الانزياحات التي يشهدها المجتمع الأميركي لصالح الشعب الفلسطيني، وبدء مأسسة هذا الانزياح باتجاه الانحياز المنظّم، تصبح العلاقة الإسرائيلية الأميركية في واقعها الراهن المرحلة الأخيرة من «العهد الذهبي»، وهي مرحلة خطرة، بل وشديدة الخطورة على المحيط الإقليمي كله، وعلى الوجود الفلسطيني برمّته.

في ضوء هذه الملاحظات والقواعد الناظمة، كيف ستتصرف إدارة ترامب، وكيف لها أن تُبقي على المصالح الإسرائيلية الحيوية دون أن تتورّط، وتورّط الإقليم، وتورّط دولة الاحتلال نفسها في حرب ممتدّة وطويلة دون أي ضمانات حقيقية لربحها، أو الانتصار فيها.

إدارة ترامب ستحاول كما أرى أن تعطي لدولة الاحتلال، أو بالأحرى «توافق» على ضمّ أمني كامل للضفة الغربية من زاوية المعابر والحدود، وأن توافق على «حكم ذاتي» موسّع على الجزء الأكبر من السكّان بعد اقتطاع أجزاء واسعة من الأغوار الفلسطينية، وبعد الضم الفعلي لثلاثة أو أربعة تجمُّعات استيطانية كبرى، وأجزاء واسعة من قطاع غزة.

ليس هناك ما هو أعلى من هذا السقف السياسي، وليس هناك ما هو أعلى حتى لو سقط الائتلاف الفاشي الحاكم في دولة الاحتلال، والحالة الوحيدة التي يمكن أن يتغير معها السقف السياسي للحلّ هو أن يكون حلا إقليميا شاملا بموافقة وضغوط عربية وإسلامية وأوروبية بعد أن تكون إيران قد تكرّست كدولة إقليمية كبيرة، ويكون العالم العربي والإسلامي المؤثّر قد تصالح مع إيران، وبعد أن يكون قد بدأ مسار الأمن الإقليمي الشامل، دون ذلك فإن نتنياهو سيسعى إلى فرض الحلّ الإسرائيلي القائم على نفي حقوق الشعب الفلسطيني إن لم يكن إلى تصفيتها.

سقوط ترامب، وسقوط نتنياهو هو المدخل المباشر والأهم لتحويل الحلّ من دائرة «الحلّ الإسرائيلي»، إلى دائرة الحلّ الإقليمي الأشمل الذي يدخل في إطاره الأمن القومي، والمصالح الإستراتيجية لدول الإقليم العربي والإسلامي، وخصوصاً مصر وتركيا والعربية السعودية وإيران، وربما باكستان.

وهو الإطار الوحيد الذي يؤمّن سيادة لبنان وسورية على أراضيهما، وهو الضمانة الوحيدة لمنع، بل ولقطع دابر العبث الإسرائيلي في الإقليم بعد أن انكشف ووصل إلى أحطّ أشكال العنصرية، وإلى أعلى أشكال الإجرام والهمجية والبربرية.