الانقسام الفتحاوي… حين تُصادر السياسة حقّ الفرح
نشر بتاريخ: 2026/04/30 (آخر تحديث: 2026/04/30 الساعة: 14:37)

لم يعد الانقسام الفتحاوي مجرد خلافٍ تنظيمي عابر، ولا تباينٍ في وجهات النظر داخل حركةٍ وطنية عريقة، بل تحوّل إلى واقعٍ قاسٍ يمتد أثره إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويطال أبسط الحقوق الإنسانية… حتى حق الأب في احتضان ابنه يوم زفافه.

في مشهدٍ تختلط فيه المرارة بالدهشة، يُحرم النائب ماجد أبو شمالة "أبو جهاد" من مشاركة نجله محمد فرحته في رام الله، ليس لبُعد المسافات، بل لواقعٍ سياسيٍ منقسمٍ صنع حواجز غير مرئية، لكنها أشد قسوة من الجغرافيا. هنا، لا تبدو المسافة بين مصر ورام الله سوى عنوانٍ رمزي، بينما الحقيقة أن المسافة الأكبر تكمن في عمق الانقسام الفلسطيني الداخلي.

هذه الحادثة ليست تفصيلاً عائلياً عابراً، بل نموذجٌ حيّ لحالة عامة يعيشها آلاف الفلسطينيين الذين أنهكهم الانقسام، وقيّدت حياتهم قراراتٌ وإجراءاتٌ سياسية، طالت الرواتب، وحرية الحركة، وفرص اللقاء، بل وامتدت إلى النسيج الاجتماعي ذاته، مهددةً قيم التضامن والتكافل التي طالما شكّلت جوهر المجتمع الفلسطيني.

لقد بدأ الانقسام داخل حركة فتح بهمساتٍ خافتة، غذّتها تدخلات خارجية، وتراكمت بفعل غياب الحوار المؤسسي، حتى انفجرت في الخلاف المعروف بين الرئيس محمود عباس والقيادي محمد دحلان. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الخلاف محصورًا في إطارٍ تنظيمي، بل تحوّل إلى حالة استقطابٍ حاد، أفرز مسارين داخل الحركة: "الشرعية" و"تيار الإصلاح الديمقراطي"، وفتح الباب أمام سلسلة من الإجراءات التي عمّقت الشرخ، وأثّرت بشكل مباشر على حياة الكوادر وأسرهم.

وكان النائب ماجد أبو شمالة من أوائل المنخرطين في الحراك الإصلاحي، انطلاقًا من رؤيةٍ تدعو إلى معالجة الترهل التنظيمي، وإعادة الحيوية لدور الحركة، والدفاع عن قطاع غزة في ظل ظروفٍ معقدة. وقد شكّل حضوره الوطني والتنظيمي امتدادًا لمسيرة نضالية طويلة، ما جعله محل تقديرٍ في أوساطٍ واسعة، حتى بين المختلفين معه سياسيًا.

غير أن جوهر القضية اليوم يتجاوز الأشخاص والتيارات، ليطرح سؤالاً أكثر عمقًا:

هل يجوز أن يتحول الخلاف السياسي إلى أداةٍ لمعاقبة الناس في حياتهم الخاصة؟

وهل يمكن لحركةٍ بحجم "فتح"، بتاريخها النضالي، أن تقبل بأن يصبح الانقسام سببًا في تفكيك العلاقات الأسرية والاجتماعية؟

إن أخطر ما في هذا الواقع ليس الانقسام بحد ذاته، بل تطبيعه؛ أي تحوّله إلى حالة مألوفة، يتعايش معها الناس بصمت، وكأنها قدرٌ لا يمكن تغييره. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، حين يفقد المجتمع حساسيته تجاه الألم، ويصبح الحرمان من اللقاءات العائلية أمرًا عاديًا.

كما أن استمرار هذا الانقسام يضعف المكانة الوطنية لحركة فتح، ويفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ، في وقتٍ تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى وحدة القرار، لا إلى تشتته. فالحركة التي شكّلت لعقودٍ عمود المشروع الوطني، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة ترتيب بيتها الداخلي، ليس فقط حفاظًا على تاريخها، بل حمايةً لمستقبل الدور الوطني الفلسطيني.

من زاويةٍ أخرى، فإن ما جرى يسلّط الضوء على قضيةٍ قانونية وحقوقية لا تقل أهمية، تتعلق بحرية التنقل ولمّ الشمل، وهي حقوقٌ يجب أن تبقى مصونة، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والتنظيمية. فلا يجوز أن تتحول الانتماءات إلى قيودٍ تعزل الإنسان عن أسرته.

إن المسافة بين مصر ورام الله يمكن أن تُختصر في ساعات، لكن المسافة داخل البيت الفتحاوي تحتاج إلى إرادةٍ سياسية صادقة لردمها. وهذه الإرادة تبدأ بالاعتراف بأن استمرار الانقسام لم يعد يخدم أحدًا، بل يضر بالجميع.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس أبو مازن، في استثمار أي استحقاق تنظيمي قادم—وفي مقدمته المؤتمر الثامن لحركة فتح—كفرصة حقيقية لإطلاق حوارٍ داخلي شامل، يهدف إلى إنهاء حالة الانقسام، وإعادة الاعتبار لوحدة الحركة، على قاعدة الشراكة لا الإقصاء.

ختامًا،

ليست القضية في حكاية أبٍ حُرم من عناق ابنه فقط، بل في وطنٍ أنهكه الانقسام حتى أصبح الفرح فيه مؤجلًا.

فلا السياسة يجب أن تُقصي الإنسان، ولا الخلاف يجب أن يهزم العائلة، لأن الأوطان التي تُهزم فيها القيم الإنسانية… تفقد بوصلتها.