المعارضة الإسرائيلية في حضورها وغيابها
نشر بتاريخ: 2026/04/28 (آخر تحديث: 2026/04/28 الساعة: 19:53)

المشروع الدولي والعربي لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يتلخص بإنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بقي موقفا نظريا يفتقد لإرادة سياسية وآلية وزمن للتنفيذ.

والموقف الفلسطيني الرسمي بقي على حاله متمسكا بالحل الدولي والعربي وفي حالة من الانتظار الطويل.

المشكلة تكمن في الموقف الإسرائيلي العدمي الذي تجاهل أهمية حل الصراع من خلال التنكر للحقوق الفلسطينية المشروعة المعرّفة دوليا، ومن خلال تعميق الاحتلال والاستيطان والضم.

وجه الغرابة هو امتلاك الحكومة الإسرائيلية حرية نقض الحل الدولي، دون أن يترتب على نقضها أي ضغوط أو عقوبات كما يحدث في العادة مع دول أخرى.

والأخطر هو انتقال دولة الاحتلال إلى طور الحسم من خلال حرب إبادة وتهجير في قطاع غزة وحرب تطهير عرقي في الضفة الغربية وضم الأراضي أو أجزاء أساسية منها وتحطيم المؤسسات التي تساعد في تماسك المجتمع الفلسطيني كالتعليم والصحة، بما في ذلك خنق السلطة وتجريدها من صلاحياتها كجزء من عملية تفكيك المجتمع وتحويله إلى معازل فصل عنصري داخل قبضة أمنية، دون أن يترتب أيضا على إجراءات تصفية القضية الفلسطينية أي اعتراض جدي.

هل تستطيع دولة الاحتلال تصفية القضية الفلسطينية بالتوصيف السابق؟

الدولة المتوحشة تبذل قصارى جهدها يوميا وليلا نهارا وكأنها في سباق مع الزمن لتحقيق ذلك، معتمدة أولا على تغول عسكري مدعوم من الولايات المتحدة ودول غربية، ومدعوم من مجتمع تتغلغل في ثقافته نزعة عسكرية مفرطة تعيد هيكلته وتصوغ مخيلته وأفكاره وعلاقاته وإحساسه الجمعي.

ومع سيادة هذه النزعة تصبح حالة الطوارئ والحرب الدائمة هي أسلوب حياة سائد يساهم في صياغته نظام تعليمي وإعلام مبرمج.

ولا تترك النزعة العسكرية المفرطة مجالا لأي شيء سوى الحرب الأبدية التي يتبناها نتنياهو بالقول: «على إسرائيل أن تصبح سوبر إسبرطة» (نيسي بيلي مجلة +972 / الأيام).

لا شك في أن الحرب ليست للحرب وليست دفاعية بل تأتي وتستمر لتحقيق أطماع كولونيالية كالسيطرة على أراضٍ ومواقع استراتيجية ونهب الموارد، وفتح سوق السلاح الاسرائيلي أمام الدول، وحماية علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية لدول المنطقة، وكبح التحرر.

إن السماح للمستوطنين بالسيطرة على أراضٍ فلسطينية وتأسيس بؤر استيطانية ومزارع وسرقة أغنام بلا حدود شكل قفزة في زيادة نسبة المنتفعين من الاحتلال ومن تعزيز ثقافة القوة والعسكرة والتوسع ومن كشف الطبيعة الاستعمارية الاضطهادية لهذا النوع من الاستعمار.

وتجد النزعة العسكرية المفرطة في الأيديولوجيا الدينية مسوغاً لاستمراريتها.

يقول المستوطنون الذين احتلوا أراضي فلسطينية وطردوا المواطنين منها: «لقد وهبنا الله هذه الأرض وهي ملكنا ويجب طرد الفلسطينيين الذين «احتلوها» ويعتبرون هذا الفعل تنفيذا لأمر إلهي.

لا تقتصر هذه الأيديولوجيا على المستوطنين بل تمتد إلى الدولة والكنيست باعتمادهما «قانون القومية» ويتحول إلى سياسة رسمية في برنامج حكومة نتنياهو الكهانية التي اعتبرت أراضي فلسطين التاريخية حقاً حصرياً لليهود.

وهم بذلك يستبدلون القانون الدولي وعلم الآثار والدراسات التاريخية وميثاق الأمم المتحدة، بأيديولوجيا دينية ويحولون الصراع السياسي إلى صراع ديني، شأنهم في ذلك شأن المنظمات الأصولية الإسلامية التي تعتمد أيديولوجيا على طرف نقيض. وفي حين رفض النظام الدولي بشدة ما طرحته ومارسته الأصولية الإسلامية المتطرفة (داعش والقاعدة والنصرة وبوكو حرام وطالبان وغيرهم)، لكنه وقف عاجزاً ومتواطئاً أمام الأصولية اليهودية المندفعة نحو استباحة الأرض والإنسان والحقوق والموارد وممارسة جرائم حرب وإرهاب بحماية الدولة والجيش الإسرائيليين.

المشكلة أن المعارضة الإسرائيلية التي قاومت الانقلاب القضائي ورفضت محاولات نتنياهو الإفلات من المساءلة والمحاسبة، وبخاصة مسؤوليته عن 7 أكتوبر، هذه المعارضة تتشارك مع نتنياهو ومعسكره الكاهاني في استمرار الاحتلال وتوسيع الاستيطان وفي حرب الإبادة وفي رفض إقامة دولة فلسطينية ولا ترفع الصوت ضد الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية باستثناءات قليلة جداً.

مع مواقف وسياسات كهذه يجوز القول لا يوجد معارضة إسرائيلية تطرح سياسة بديلة لسياسة نتنياهو ومعسكره الكاهاني.

وفي غياب التمايز السياسي فإن التغيير سيقتصر على استبدال رئيس حكومة بآخر ووزراء بآخرين.

في هذه الحالة تتجه الأنظار إلى معارضين أفراد ومجموعات ومنظمات حقوقية وإعلاميين وفنانين وأكاديميين إسرائيليين.

صحيح أن نسبتهم قليلة وتأثيرهم قليل، لكنهم يلعبون دورا مهما ودونهم ينعدم الأمل.

يقول رافي فالدن في هآرتس: إذا استبدلنا كلمة اليهود بكلمة الفلسطينيين فسنجد أننا اليوم في دولة إسرائيل نرتكب نفس الأفعال التي اتهمنا غير اليهود بارتكابها. وانطلاقا من الأيديولوجيا المسيحانية والشعور بالتفوق يجري تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم بشكل ممنهج.

وهذا يجيز إيذاءهم بل وقتلهم دون أي شعور بالندم. بعد انكشاف السلطة اليهودية على حقيقتها كسلطة عنصرية وحشية متسلطة لا تحترم كرامة الإنسان وقدسية الحياة. وجهت لإسرائيل انتقادات شديدة من الحلفاء، شملت الانتقادات رجال دولة ومثقفي جامعات وأكاديميين وفنانين وعلماء ووصلت إلى مقاطعة إسرائيل والإسرائيليين، ويختم رافي فالدن بالسؤال: هل ستعيش دولة اليهود على حرابها إلى الأبد.

ثمة قضايا جوهرية تخضع لنقاش نخب إسرائيلية كالمسألة الفلسطينية التي لا يمكن حلها بالحسم العسكري وغطرسة القوة. فللقوة حدود وخاصة عندما يكون الطرف الآخر في الصراع هو الشعب الفلسطيني، الحسم العسكري من خلال حرب إبادة وتهجير وضم هو حل انتحاري إسرائيلي.

هذا الحل يضع إسرائيل والإسرائيليين في موقع منبوذ ومرفوض ولا يطاق.

حدث مستوى من ذلك في الفصل الأول من حرب الإبادة والتطهير العرقي عندما تغير تقييم إسرائيل والإسرائيليين في أوساط الرأي العام الأميركي أولاً وفي أنحاء العالم قبل ذلك.

بهذا الصدد يعتقد إسرائيليون أن الحسم العسكري يؤدي إلى كارثة للإسرائيليين والفلسطينيين معاً، والمخرج هو الحل السياسي العادل.

مهما صعدت القوة الإسرائيلية ومهما أبرمت من اتفاقات إقليمية ستبقى فاقدة للشرعية دون حل المسألة الفلسطينية.

هذا ما استخلصه مفكرون إسرائيليون سابقون وهذا ما يفكر به البعض بعد حرب الإبادة.

لقد سقطت إسبرطة المنغلقة على قوتها، وصعدت أثينا المنفتحة على الحضارة الإنسانية.