تحالف بينيت–لابيد ومحاولة إعادة تشكيل المعسكر
نشر بتاريخ: 2026/04/27 (آخر تحديث: 2026/04/27 الساعة: 17:20)

ليست الانتخابات في إسرائيل حدثاً يبدأ يوم الاقتراع، بل لحظة تتكثف فيها تحولات سبقتها. بهذا المعنى، يمكن القول إن انتخابات 2026 بدأت فعلياً في 27 نيسان/أبريل، مع الإعلان عن التحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد. لم يكن هذا التحالف نتيجة تقارب طبيعي، بل نتاج ضغط سياسي فرضته موازين القوى داخل المعسكر نفسه.

في الخطاب الإسرائيلي، يُقدَّم هذا التحالف كخطوة لإعادة بناء “معسكر التغيير” الذي أنهى حكم بنيامين نتنياهو عام 2021. لكن قراءة أعمق تكشف أن ما يجري ليس تغييراً بقدر ما هو إعادة تنظيم داخل الإطار ذاته. فالتنافس لا يدور بين مشروعين متناقضين، بل داخل رؤية صهيونية واحدة تتعدد أساليب إدارتها.

داخل هذا الإطار، تتوزع الشعارات التي يرفعها اليمين، من “إسرائيل الكبرى” إلى “إسرائيل الكاملة”، لا كخلافات حقيقية بل كتعبيرات مختلفة عن البنية الفكرية ذاتها. لذلك، تبدو الفجوة بين الليكود وخصومه أقل مما توحي به المعارك الانتخابية.

هذا ما يفسر غياب الخلاف الجوهري حول الفلسطينيين. فسواء جاء الخطاب أكثر صدامية أو أكثر براغماتية، تبقى الثوابت كما هي: توسيع الاستيطان، تثبيت السيطرة الأمنية، وإدارة الصراع بدل حله. حتى في أكثر اللحظات حدة، لا يظهر نقاش حقيقي حول إنهاء الاحتلال، بل حول كيفية إدارته بأقل كلفة سياسية.

في هذا السياق، لا يبدو تحالف بينيت–لابيد خروجاً عن القاعدة بقدر ما هو تجسيد لها. فبينيت، القادم من التيار الديني الصهيوني، والذي شغل سابقاً منصب المدير العام لمجلس مستوطنات الضفة الغربية ويحظى بدعم داخل الأوساط الاستيطانية، لم يخفِ يوماً رفضه لإقامة دولة فلسطينية، ولا دعوته إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

هذا البعد الأيديولوجي لا يتعارض مع شراكته مع لابيد، الذي اختار في انتخابات عام 2013 أن يطلق برنامجه السياسي من كلية في مستوطنة أريئيل، بل يعكس تقاطعاً في جوهر الرؤية السياسية رغم اختلاف الخطاب. وفي المحصلة، لا يقوم هذا التحالف على تناقضات حادة بقدر ما يقوم على إدارة الخلافات الداخلية، مع إبقاء الملف الفلسطيني خارج النقاش الجوهري، أو تجميده ضمن حدود الحد الأدنى من التباين.

حتى تجربة 2021، التي يُعاد استحضارها اليوم كنموذج، لم تشكل استثناءً حقيقياً. صحيح أنها شهدت انضمام منصور عباس في سابقة لافتة، لكن هذه الشراكة بقيت مشروطة ومؤقتة. اليوم، يحرص بينيت على إرسال رسالة معاكسة، مؤكداً أنه لن يعتمد على الأحزاب العربية في أي ائتلاف مقبل. بهذا المعنى، لا يعيد التحالف إنتاج تجربة “التغيير”، بل يعيد ضبطها ضمن حدود أكثر انغلاقاً.

ما دفع الطرفين إلى هذا التحالف ليس الرؤية، بل الضرورة. فقد أظهرت استطلاعات الرأي تآكل موقع لابيد، مقابل صعود الليكود، وبروز غادي آيزنكوت كلاعب محتمل داخل المعسكر. عند هذه النقطة، لم يعد التحالف خياراً، بل أداة لمنع مزيد من التراجع.

لكن هذه الخطوة لا تعني توحيد المعسكر بقدر ما تكشف هشاشته. فإلى جانب هذا التحالف، يتحرك أفيغدور ليبرمان كقوة مستقلة تستهدف القاعدة ذاتها، خصوصاً اليمين العلماني. وفي الخلفية، تظهر محاولات لإعادة تدوير شخصيات خرجت من عباءة الليكود، مثل موشيه كحلون وجلعاد إردان، في إطار يميني جديد.

هذه الحركة لا تعكس تعددية حقيقية، بل تنافساً داخل الحيز السياسي نفسه. فبدلاً من توسيع الخريطة الحزبية، يجري تقاسمها بين لاعبين يسعون إلى إعادة توزيع الأصوات ذاتها. وهذا ما يجعل تأثير تحالف بينيت–لابيد محدوداً: قد يعيد ترتيب المعسكر، لكنه لا يغير قواعده. فالحرب، والحصار، والاستيطان، أصبحت جزءاً من “الوضع الطبيعي” الذي لم يعد يحتاج إلى تبرير.

ويبقى قرار آيزنكوت عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه المعركة. انضمامه قد يمنح التحالف غطاءً أمنياً أوسع، بينما قد يؤدي بقاؤه خارجه إلى تعميق التشتت. لكن أياً كان قراره، فإنه لن يغيّر طبيعة المشهد بقدر ما سيعيد توزيع مراكزه.

في نهاية المطاف، المعركة الحقيقية في انتخابات 2026 ليست بين يمين ويسار، بل على "روح اليمين" ومن يمتلك شرعية تمثيله. وبينما يحاول تحالف بينيت–لابيد تقديم صيغة هجينة للإدارة، تبرز وجوه يمينية أخرى لتزاحمه على الخزان الانتخابي نفسه. هذا التزاحم قد يمنح التحالف زخماً مؤقتاً، لكنه يكشف معضلته الأساسية.

ففي إسرائيل اليوم، لا أحد يغادر اليمين، بل يُعاد تعريفه فقط. كيف يمكن لبينيت أن يحافظ على صورته اليمينية أمام المستوطنين وهو يتحرك في فلك لابيد؟ وكيف يمكن لمعسكر يدّعي التغيير أن يفعل ذلك من دون المساس بجوهر الصراع؟