لم يكن رحيل الأستاذ الدكتور حسين أبو شنب حدثًا عابرًا في حياتي، بل كان فقدًا لجزءٍ من الذاكرة، ومن الحلم الذي تشكّل على يديه.كان أستاذي في مرحلة الدبلوم في المعهد العربي الثقافي، حيث رافقنا ليالي السمر والحديث الشيق، وكان قطار المعرفة لا يتوقف معه أبدًا. ثم واصل حضوره في مسيرتي حين رافقني في دراسة البكالوريوس في الإعلام بجامعة الأقصى، وشجّعني على استكمال دراساتي العليا، مؤمنًا بقدرة طلابه على التقدّم والتميّز. لكنه لم يكن مجرد أستاذ… بل كان أبًا وصديقًا، إنسانًا يتدفق قلبه حنانًا، ويمنح من حوله طاقةً من الإيمان بما يفعلون.علّمني أن الإعلام ليس مهنة، بل رسالة. وغرس في داخلي عشق الرواية الفلسطينية، حتى أصبحت جزءًا من تكويني، ومن هذا الغرس وُلد مشروع "قلعة الرواية الفلسطينية"، الذي لم يكن ليكون لولا أثره العميق في نفسي، وقد باركه الفقيد بشغفٍ واعتزاز.ولم يكن ذلك غريبًا على عائلةٍ أكاديميةٍ أصيلة، فقد كان نجله المرحوم الدكتور حازم حسين أبو شنب، الذي تتلمذت على يديه أيضًا، نموذجًا مكمّلًا لهذا الإرث، بعلمه وحضوره وإنسانيته. عائلةٌ آمنت بالعلم، وعاشت له، وأخلصت في تقديمه.وُلد الدكتور حسين أبو شنب عام 1946 في بلدة "بيت داراس"، التي هُجّر منها إبان نكبة عام 1948 إلى قطاع غزة، ليبدأ رحلةً طويلة من العطاء. وكان أحد مؤسسي إذاعة الثورة الفلسطينية، وأحد الركائز الوطنية في تاريخ الإعلام الفلسطيني.حصل على درجات أكاديمية عليا في اللغة العربية، ونال شهادة الدكتوراه في الإعلام، وترك بصمة واضحة في ميادين العمل الأكاديمي والإعلامي. شغل منصب عميد كلية الإعلام في جامعة الأقصى، وأسهم في تأسيسها، كما عمل عميدًا لكلية الإعلام والاتصال في جامعتي غزة وفلسطين، وكان له دور بارز في تأسيس كليات الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية.كما شارك في إنشاء قسم الإعلام في جامعة الأزهر، وعمل محاضرًا في قسم الإعلام بالجامعة الإسلامية في غزة، وكان له حضور فاعل في المشهد الإعلامي العربي، حيث استقر في القاهرة لسنوات، مواصلًا عطاءه الفكري، وعمله مستشارًا إعلاميًا لسفارة دولة فلسطين لدى مصر، وعضوًا في المجلس الوطني لحركة فتح منذ عام 1980.تميّز الفقيد بعشقه للمسرح والسينما الفلسطينية، وبإسهاماته الفكرية وكتاباته في التاريخ والإعلام، وكان حاضرًا في المؤتمرات والندوات، من بينها رئاسته لمؤتمر "قدس برس"، مؤكدًا حضوره الدائم في الدفاع عن الرواية الفلسطينية.وفي يوم الجمعة الموافق 24 أبريل 2026، في القاهرة، رحل الدكتور حسين أبو شنب بعد صراعٍ طويل مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا علميًا ووطنيًا كبيرًا، وخسارةً فادحة للمشهد الثقافي والإعلامي الفلسطيني.رحل الجسد، لكن الصوت ما زال حاضرًا… يتردد في القاعات، ويطرق جدران الأروقة الجامعية، ويعيش في كل طالبٍ حمل عنه فكرة، أو اقتبس من روحه معنى.نم قرير العين يا أستاذي… واطمئن.فالحلم الذي زرعته فينا لن يموت، والصوت الذي أطلقته لن يخفت، والرواية التي آمنت بها ستبقى حيّة فينا، نحملها جيلًا بعد جيل، ونصونها كما أردت: صادقة، حرة، ومقاوِمة للنسيان.لروحك السلام… ولذكراك الخلود.
أبو شنب: حين يرحل المعلّم… ويبقى الصوت الدافئ للرواية الفلسطينية
نشر بتاريخ: 2026/04/27
(آخر تحديث: 2026/04/27 الساعة: 05:13)