لا تبدو أزمة القمح في إيران غداة الحرب الأخيرة كامنة في وفرة المحصول بقدر ما تتجلى في تعقيد الوصول؛ فبينما تبشر الحقول بموسم وفير، يضع الحصار البحري سلاسل الإمداد وتكاليف النقل في اختبار حقيقي أمام استدامة الأمن الغذائي للبلاد.
رهان على المحصول المحلي
تراهن طهران هذا العام على تحقيق طفرة في الإنتاج المحلي لتخفيف ضغط الحصار. وبحسب تصريحات معاون وزير جهاد الزراعة، مجيد آنجفي، لوكالة إرنا، فمن المتوقع أن يصل إنتاج القمح هذا الموسم إلى نحو 13 مليون طن، شريطة استمرار الأمطار الربيعية.
هذه الأرقام تمنح الحكومة هامش مناورة مريحا، حيث تعتزم شراء 10 ملايين طن من المزارعين المحليين، وهو الرقم الذي يمثل بالضبط كامل احتياج البلاد السنوي من قمح الخبز. ويعد هذا التقدير قفزة نوعية مقارنة بمحصول العام الماضي الذي بلغ 11.7 مليون طن.
فجوة التقديرات الدولية
في المقابل، تأتي تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) لتضع صورة أكثر حذرا؛ حيث قدرت إنتاج عام 2025 بنحو 12.5 مليون طن، مع حاجة لاستيراد مليوني طن لسد العجز في السنة التسويقية 2025/2026. وتُرجع فاو تفاؤلها النسبي إلى المخزونات المرحّلة من عام 2024، رغم تحذيرها من أن جفاف الطقس قد يؤثر على محاصيل القمح الشتوي لموسم 2026.
روسيا وأوراسيا.. البديل الإستراتيجي
مع اشتداد الخناق البحري في الجنوب، برزت الموانئ الشمالية كبديل حيوي للمنافذ الجنوبية التقليدية. وتشير التقارير الرسمية إلى أن إيران بدأت بالفعل في إعادة توجيه بوصلتها التجارية نحو الفضاء الأوراسي، وتحديدا عبر المسار الشمالي مع روسيا وكازاخستان.
وقد عززت الجمارك الإيرانية هذا التوجه بتفعيل رسوم تفضيلية لاستيراد الحبوب من اتحاد أوراسيا، في محاولة لخفض تكلفة الوصول للسوق التي تأثرت بارتفاع نفقات التأمين والشحن نتيجة النزاع الإقليمي.
الضغط اللوجستي وكلفة الإمداد
رغم تأكيدات المسؤولين الإيرانيين أن البلاد تمتلك مخزونا يتجاوز 5 ملايين طن من السلع الأساسية في الموانئ والمداخل، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في الاستدامة؛ فالحصار لم يقطع الخبز عن الموائد بعد، لكنه فرض ضغوطا لوجستية هائلة تشمل:
تغيير المسارات: الاعتماد المكثف على الممرات البرية والبحرية الشمالية مع روسيا وتركيا وباكستان.
ارتفاع الكلفة: زيادة حساسية الإمدادات لعوامل التأمين والوقت وتكاليف التفريغ البديلة.
القدرة التشغيلية: ضخ كميات إضافية من الطحين وتوسيع ساعات عمل المخابز لمواجهة أي ذروة استهلاكية ناتجة عن القلق الشعبي.
الخلاصة
تجد إيران نفسها اليوم في وضع يسمح لها بتغطية احتياجاتها الأساسية من القمح محليا إذا صدقت توقعات الموسم الجاري، لكن خطر الحرب انتقل من كفاية الإنتاج إلى كفاءة الإمداد. فالقمح متوفر، لكن فاتورة وصوله إلى رغيف المواطن باتت مرتبطة بقدرة طهران على إدارة ممراتها الشمالية بعيدا عن أعين الرقابة والضغوط البحرية في الخليج.