المؤتمر الثامن… فرصة أخيرة لإنقاذ فتح والكلّ الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/04/19 (آخر تحديث: 2026/04/20 الساعة: 02:00)

لم تكن الأصوات التي سمعتها من داخل حركة فتح، أو من هوامشها التنظيمية، أو حتى من أولئك الذين غادروها نحو ما يُعرف بتيار الإصلاح الديمقراطي، متباينة في جوهرها كما قد يبدو للوهلة الأولى. بل على العكس، كان القاسم المشترك بينها جميعًا واضحًا: رغبة صادقة في استعادة وحدة الحركة، وطيّ صفحة الماضي، وفتح أفق جديد يعيد لفتح، "أم الجماهير"، مكانتها ودورها في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.

هذه الرغبة لا تنبع من حنين عاطفي فحسب، بل من إدراك عميق بأن الانقسام داخل فتح لم يعد شأنًا تنظيميًا داخليًا، بل بات عبئًا وطنيًا ينعكس على مجمل الحالة الفلسطينية. وقد تعزّز هذا الشعور بعد ما يمكن وصفه بالنكبة الثانية، والكارثة الإنسانية التي ألمّت بأهلنا في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر، حيث تحوّل مئات الآلاف إلى نازحين، في مشهد يختصر حجم التحديات التي تواجه شعبنا، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية.

لقد استمعت إلى تصريحات شخصيات بارزة، مثل محمد دحلان وسمير المشهراوي، وهما من رموز التيار الإصلاحي الديمقراطي، فوجدت فيها نبرة وطنية عالية تدعو إلى وحدة فتح وإصلاحها من الداخل، بما يعيد لها حيويتها ودورها الريادي. وفي المقابل، لا تزال هناك أصوات قيادية داخل الحركة تبدي تحفظاتها على المؤتمر الثامن، وتشير إلى محدودية التوقعات بشأن إحداث تغيير حقيقي في بنية الحركة ونهجها.

وهنا، تبدو الكرة في ملعب الرئيس محمود عباس، الذي يقف أمام لحظة فارقة في تاريخ حركة فتح، بل في تاريخ الحالة الوطنية برمّتها. فحجم المساحة التي سيمنحها لقيادات الحركة وكوادرها، ومدى انفتاحه على مختلف التيارات داخلها، سيكون لهما أثر حاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في عقد المؤتمر بحد ذاته، بل في مخرجاته، وقدرته على إحداث تجديد حقيقي في الدماء والأفكار. لقد بات واضحًا أن هناك حاجة ملحّة لإشراك جيل الشباب، أو ما يمكن تسميته بـ"جيل الأحفاد"، في مواقع القيادة وصنع القرار. فالتغيير لا يمكن أن يتحقق بأدوات قديمة، ولا بوجوه استُهلكت في صراعات الماضي. إن منح الفرصة لهذا الجيل ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها.

يا سيادة الرئيس… لقد تغيّر الزمن، ولم تعد فتح التي عرفناها يومًا كمحراب للوطنية الفلسطينية بذات الزخم والتماسك. فالخلافات القديمة لا تزال حاضرة، والوجوه ذاتها تتكرر، فيما تتراجع ثقة القواعد التنظيمية والجمهور العام. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لفتح تبدأ من قدرتها على مراجعة ذاتها بجرأة، والانفتاح على شركائها في الساحة الفلسطينية بروح وطنية جامعة.

قد لا أكون فتحاويًا بالانتماء التنظيمي، لكنني – كما يعرفني الكثيرون، وأنت منهم يا سيادة الرئيس – فتحاوي بالوجدان، بحكم الجيرة والعلاقات، وبما أحمله من تقدير عميق لتاريخ هذه الحركة، وللزعيم الأب الشهيد ياسر عرفات (رحمه الله)، الذي كان رمزًا استثنائيًا لوحدة الفلسطينيين ومشروعهم الوطني. ومن هذا المنطلق، فإنني أرى في وحدة فتح مدخلًا أساسيًا لاستعادة عافية النظام السياسي الفلسطيني.

لقد أجمعت حوارات المصالحة، بطولها وعرضها، سواء في الجزائر وما قبلها، أو في الصين، على أن استمرار الانقسام لم يعد مبررًا، وأن ما ينقصنا هو الإرادة السياسية الصادقة. وإن وحدة فتح يمكن أن تكون الشرارة التي تعيد إيقاظ الجميع، وتعجّل بلمّ شمل "الكلّ الفلسطيني"، وتفتح الباب أمام إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كإطار جامع لكل مكونات شعبنا.

كم سيكون المشهد مُلهِمًا – يا سيادة الرئيس – لو شهدنا على منصة المؤتمر الثامن حضور مختلف الرموز والتيارات، في صورة بانورامية تعكس روح "سنشد عضدك بأخيك" و"هارون أخي"، وتؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الوطنية.

يا سيادة الرئيس… بعد كل ما مرّ بنا كفصائل وتنظيمات، وما طال شعبنا من مآسٍ ونكبات، لم يعد لدينا ترف السكوت عن استشراء الانقسام، ولا متسع من الوقت لمزيد من التردد والانكفاء. إن ما تواجهه قضيتنا اليوم من تحديات غير مسبوقة، في ظل سياسات اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة نتنياهو، وشركائه من أمثال سموتريتش وبن غفير، يفرض علينا إعادة ترتيب بيتنا الداخلي، قبل أن تُفرض علينا ترتيبات خارجية لا تخدم مشروعنا الوطني.

رحم الله ياسر عرفات… كم كان عظيمًا في حضوره ورمزيته؛ فقد أجملتُ ذلك في سطور كتابي «ياسر عرفات: ذاكرة لا تغيب»، حيث بدا صانعًا للهوية الفلسطينية، وحاملًا لها إلى العالم، وقائدًا جامعًا احتضن الجميع بسعة صدر نادرة، حريصًا على وحدة الصف، وإدارة الخلاف بحكمة، موازنًا بين الثوابت ومتطلبات الواقع، وقريبًا من الناس وهمومهم؛ فكان بحق رمزًا وطنيًا لا يغيب، وذاكرة حيّة لمعنى التماسك الفلسطيني الذي نتطلع إليه اليوم.

ورحم الله الشيخ أحمد ياسين، الذي كان يردد: "أنا من بلدٍ رئيسُه ياسر عرفات"، رحمهما الله رحمة واسعة؛ فقد كانا يدركان أن وحدة الصف هي سر القوة، وأن الانقسام هو "الحالقة"، والمدخل لكل اختراق وشرٍّ مستطير.

واليوم، والإعداد جارٍ لهذا المؤتمر، كم نحن في أشدّ الحاجة إلى استعادة تلك الروح الوطنية العالية، قبل أن تتساقط النقاط، وتتآكل الحروف من نصّنا الوطني.

يا سيادة الرئيس… إنها لحظة مسؤولية تاريخية؛ فإما أن نكتب فصلًا جديدًا عنوانه الوحدة والتجديد، أو نترك الساحة لرياح الفرقة العاتية، حيث لا تجدي "الحولقة"، ولا ينفع الندم.