أفكار الحركات الدينية الأصولية اليهودية في خلفية قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
نشر بتاريخ: 2026/04/14 (آخر تحديث: 2026/04/14 الساعة: 21:07)

يُعدّ قانون فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، الذي سنّه الكنيست مؤخرًا، انعكاسًا لتحولات فكرية عميقة داخل التيارات الدينية الأصولية اليهودية، التي طوّرت خطابًا أيديولوجيًا متشددًا يتجاوز أنماط العنصرية التقليدية التي سادت في إسرائيل منذ تأسيسها، ليصبح جزءًا من عقيدة راسخة لدى اليمين الديني.

ورغم تصاعد التقديرات بإمكانية تدخل المحكمة العليا الإسرائيلية لإلغاء القانون أو تعديله، فإن ذلك لا يزال غير محسوم، وفق خبراء قانون، بينهم رئيس مركز "عدالة"، المحامي حسن جبارين، الذي أشار إلى أن موقف المحكمة قد يتأثر بالمناخ السياسي العام والعداء المتزايد تجاهها داخل إسرائيل، إلى جانب الدعم الشعبي الذي يحظى به القانون في أوساط واسعة.

وتعود محاولات سنّ قانون مماثل إلى سنوات سابقة، حيث حظيت مشاريع قوانين مشابهة بدعم واسع من أحزاب اليمين، أبرزها مشروع عام 2015، ومشروع آخر في 2018 قدمه حزب يسرائيل بيتينو بقيادة أفيغدور ليبرمان، الذي أيد القانون الحالي.

القانون بصيغته الحالية قدّمه حزب عوتسما يهوديت برئاسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وجرى إقراره بدعم 62 عضو كنيست من أحزاب عدة، بينها الليكود وشاس والصهيونية الدينية و"يسرائيل بيتينو"، إضافة إلى دعم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مقابل معارضة 47 عضوًا. ويُعتبر هذا القانون أكثر تشددًا من سابقاته، إذ لا يمنح القضاة هامشًا لترجيح الأحكام أو تخفيف عقوبة الإعدام بعد إصدارها.

ويرى باحثون أن هذا القانون، سواء جرى تعديله أم لا، يأتي ضمن مسار أوسع يقوده اليمين الديني في إسرائيل، يسعى من خلاله إلى فرض سياسات أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل ويمتد أيضًا إلى الداخل الإسرائيلي، مع توقعات بتصاعد التوتر حتى مع التيارات اليهودية العلمانية.

وتعود جذور هذه التحولات إلى تغيرات فكرية واجتماعية داخل حركة الصهيونية الدينية منذ مطلع القرن الحالي، حيث ظهرت مجموعات متطرفة تتبنى تفسيرات أصولية للنصوص الدينية، وترفض مكانة الدولة كما كانت تُفهم سابقًا في إطار الصهيونية الدينية التقليدية.

هذه المجموعات، المنتشرة في بؤر استيطانية وأوساط مختلفة، تتبنى نمطًا جديدًا من التدين يتميز بالتشدد القومي ورفض القيم الليبرالية والنظام الديمقراطي، مع اعتماد تفسير حرفي للنصوص الدينية، ما يعكس قطيعة مع المفاهيم الحديثة للدولة والمجتمع.

وبحسب دراسة حديثة وردت في كتاب "إلى يمين الصهيونية"، فإن هذه التيارات، رغم اختلافاتها، تتقاطع في هدف مشترك يتمثل في تقويض الطابع الديمقراطي لإسرائيل، واستبداله بنظام يستند إلى مرجعيات دينية أصولية، وهو ما يعكس أزمة هوية داخلية في أوساط الصهيونية الدينية.

كما ترفض هذه التيارات قيم التنوير الغربي، مثل استقلالية الفرد وحقوق الإنسان والمساواة، وتتأثر في الوقت نفسه بحركات يمينية متطرفة حول العالم.

**تحولات تاريخية داخل الصهيونية الدينية**

مرت الصهيونية الدينية بعدة مراحل؛ ففي بداياتها، اتسمت بالاعتدال السياسي، حيث عارض قادة حزب "المفدال" حرب حزيران/يونيو 1967، وأيدوا لاحقًا تقسيم البلاد وتدويل القدس.

لكن المرحلة الثانية شهدت تحولًا جذريًا مع صعود التيار الديني الخلاصي بقيادة الحاخام تسفي كوك، الذي أعاد تفسير أفكار والده أبراهام كوك، معتبرًا الاستيطان في الأراضي المحتلة تنفيذًا لـ"مشيئة إلهية".

ورغم الشعبية التي حظيت بها هذه الأفكار، فإن تأثيرها تراجع بعد سلسلة من الانسحابات الإسرائيلية، خاصة من شبه جزيرة سيناء، ثم في أعقاب اتفاقيات أوسلو، وصولًا إلى الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، ما أدى إلى تشكيك متزايد في شرعية الدولة داخل هذه الأوساط.

أما المرحلة الثالثة، فشهدت تفكك الصهيونية الدينية إلى تيارات متعددة، من بينها تيار ليبرالي، وآخر حريدي قومي معادٍ لليبرالية، وثالث محافظ وكهاني، مع تراجع مركزية الشريعة اليهودية لدى بعض الفئات مقابل تصاعد النزعات الأصولية لدى أخرى.

**التيارات الحالية وأفكارها**

تنقسم الصهيونية الدينية اليوم إلى ثلاثة تيارات رئيسية: رسمي، وما بعد رسمي، ومعادٍ للرسمية. ويضم التيار الأخير جهات مثل حزب "عوتسما يهوديت" وحركة "ليهافا" وتنظيم "شبيبة التلال"، التي تتبنى أفكارًا تقوم على رفض القيم الغربية، وتمجيد الماضي الديني، وتعزيز فكرة التفوق اليهودي، والسعي لإقامة دولة دينية.

ورغم أن هذه التيارات تمثل نسبة محدودة من المجتمع، فإن تأثيرها يتجاوز حجمها العددي، إذ تحظى بدعم في أوساط أوسع، بما في ذلك بعض الفئات العلمانية.

ويتبنى التيار "ما بعد الرسمي" مواقف نقدية حادة تجاه مؤسسات الدولة، ويرفض اعتبارها أداة للخلاص، كما يروج لأفكار مثل "خطة الحسم" التي طرحها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، والتي تقترح خيارات قاسية للفلسطينيين، تشمل الهجرة أو الخضوع أو المواجهة.

**الانتقام كعقيدة مركزية**

يُعد مفهوم "الانتقام" عنصرًا محوريًا في فكر التيار الكهاني، المنبثق عن حركة كاخ التي أسسها الحاخام مئير كهانا. وتقوم هذه العقيدة على مزيج من التفوق العرقي، ورفض الديمقراطية، والدعوة إلى الانتقام من غير اليهود.

وتستند الحركات المنبثقة عن "كاخ"، مثل "عوتسما يهوديت" و"ليهافا"، إلى هذه المبادئ، مع تفسير حرفي وانتقائي للنصوص الدينية لتبرير مواقفها.

ويُعد إيتمار بن غفير أبرز ممثلي هذا التيار في المشهد السياسي الحالي، حيث كان يعبّر صراحة عن هذه الأفكار قبل توليه المنصب الوزاري، بما في ذلك الدعوة إلى الانتقام، التي تُعد قيمة مركزية في الفكر الكهاني.

كما ترتبط هذه العقيدة بأحداث عنف بارزة، مثل مجزرة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها باروخ غولدشتاين، والتي تُستخدم في أدبيات هذا التيار كدليل على مفهوم "الانتقام المقدس".

ويمتد هذا الفكر أيضًا إلى مجموعات مثل "شبيبة التلال" وطلاب الحاخام يتسحاق غينزبورغ، الذين يرون في العنف ضد غير اليهود فعلًا ذا بعد ديني وروحي.

في المحصلة، يعكس قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد إجراء قانوني، بل نتيجة مسار فكري طويل داخل اليمين الديني الأصولي في إسرائيل، حيث تتقاطع التحولات الأيديولوجية مع السياسات التشريعية، في اتجاه يعمّق الطابع الديني والقومي المتشدد للدولة، ويثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل النظام الديمقراطي فيها.