الكهرباء والوقود والخبز.. أزمة ثلاثية تعمّق معاناة اللبنانيين في ظل الحرب
نشر بتاريخ: 2026/04/12 (آخر تحديث: 2026/04/13 الساعة: 01:36)

في بلد يرزح تحت وطأة حرب مفتوحة وأزمات اقتصادية متراكمة، لم تعد أزمة الطاقة في لبنان احتمالاً مؤجلاً، بل واقعاً يومياً ينعكس على تفاصيل الحياة ويعيد تشكيلها تحت ضغط العتمة وارتفاع التكاليف.

ومع اتساع رقعة التوترات وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الاستيراد، يدخل لبنان فعلياً في أزمة محروقات وغاز تتقاطع مع تراجع كبير في قدرة المؤسسات الرسمية على تأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

في هذا السياق، تكافح مؤسسة كهرباء لبنان لتأمين تغذية كهربائية محدودة لا تتجاوز في أفضل الأحوال 4 ساعات يومياً، وسط ارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع القدرة التشغيلية بفعل تداعيات الحرب.

ورغم قتامة المشهد، تشير المعطيات إلى أن إمدادات المحروقات لا تزال أكثر استقراراً نسبياً مما كان متوقعاً، إذ يؤكد نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس أن “وضع الإمدادات لا يزال تحت السيطرة”، موضحاً أن لبنان يعتمد على استيراد الوقود من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، خصوصاً اليونان وإيطاليا وتركيا، بعيداً عن بؤر التوتر التقليدية في الخليج.

3 مستويات للتخزين

ويستند هذا الاستقرار النسبي إلى شبكة تخزين متعددة المستويات تشمل:

مخزون الشركات المستوردة الذي يكفي لأسابيع.

خزانات محطات الوقود في مختلف المناطق.

التخزين الفردي لدى المواطنين الذين يحتفظون بخزانات سياراتهم ممتلئة تحسباً لأي طارئ.

لكن هذه المؤشرات لا تعكس استقراراً كاملاً، إذ انخفض الاستهلاك بنحو 25%، وتراجع الطلب اليومي على البنزين من نحو 8 ملايين لتر إلى قرابة 6 ملايين، نتيجة تراجع الحركة وصعوبة التنقل في بعض المناطق المتأثرة بالحرب.

ويشير البراكس إلى أن أسعار المحروقات مرتبطة مباشرة بتقلبات الأسواق العالمية، لافتاً إلى أن المازوت يسجل ارتفاعاً أسرع من البنزين بسبب محدودية المعروض عالمياً، محذراً من أن أي تصعيد إضافي قد ينعكس مباشرة على الأسعار، خصوصاً إذا طال منشآت أو خطوط إمداد رئيسية.

الخبز في قلب الأزمة

ولا تقف تداعيات أزمة الطاقة عند حدود المحروقات، بل تمتد إلى قطاع الخبز باعتباره أحد أبرز مظاهر الأمن الغذائي في البلاد، حيث أدى ارتفاع كلفة المازوت والنقل إلى زيادة كلفة الإنتاج.

وبسبب هذه الضغوط، رفعت وزارة الاقتصاد تسعيرة ربطة الخبز، في انعكاس مباشر لتصاعد الكلفة التشغيلية.

ويقول صاحب أفران “الصقر” ناجي الصقر إنهم اضطروا إلى رفع سعر ربطة الخبز من 65 ألف ليرة (0.73 دولار) إلى 75 ألف ليرة (0.84 دولار)، نتيجة ارتفاع كلفة الطاقة ومستلزمات الإنتاج من طحين وسكر ومواد تغليف.

ورغم هذه الزيادات، يشير إلى أن الأسواق ما زالت قادرة على تأمين المواد الأساسية، مع تراجع حالة الهلع والتخزين التي سادت في بداية الحرب، ما أعاد قدراً من الاستقرار النسبي للطلب.

الغاز المنزلي: من القلق إلى الاستقرار النسبي

أما الغاز المنزلي، الذي كان مصدر قلق كبير في بداية الأزمة، فقد شهد تحسناً نسبياً في الإمدادات، وفق نقيب مالكي ومستثمري معامل الغاز أنطوان يمين، الذي يؤكد أن السوق بات أكثر استقراراً مع وصول البواخر بشكل منتظم.

وتراجع الاستهلاك اليومي من 800–1000 طن خلال ذروة الأزمة إلى نحو 500 طن حالياً، مع استقرار المخزون عند حدود 22 ألف طن، وهو ما يكفي لنحو شهر ونصف الشهر.

وفي ما يتعلق بالأسعار، يربط يمين التقلبات بالأسواق العالمية، متوقعاً أن تشهد انخفاضاً تدريجياً، مع دعوة إلى اعتماد سياسة خفض تدريجي لتجنب اضطراب السوق.

ارتفاع أسعار الغاز

في السياق نفسه، يشير صاحب محطة غاز ياسر خضرا إلى أن أسعار الغاز ارتفعت بنسبة تتراوح بين 45% و50%، إذ ارتفع سعر قنينة الغاز من نحو 10 دولارات إلى قرابة 19 دولاراً.

ويرجع ذلك إلى تقلبات أسعار النفط العالمية والضرائب المحلية، مع ترقب لانعكاس أي انخفاض عالمي على السوق المحلية لتخفيف الأعباء المعيشية.

خلاصة المشهد

تكشف أزمة الطاقة في لبنان عن أزمة مركبة تتداخل فيها تداعيات الحرب مع اختلالات اقتصادية بنيوية عميقة، حيث تتحول الكهرباء والوقود والخبز إلى مؤشرات يومية على اتساع الأزمة، في بلد يواصل البحث عن توازن هش بين الاستيراد المحدود والطلب المتصاعد والقدرة الشرائية المتآكلة.